. } [الأنعام: 113]. ثم تأتي المرحلة الثانية والمرحلة الثالثة: ﴿ وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون ﴾ [الأنعام: 113]. وقد يصغي إنسان، ثم تتنبه نفسه اللوامة، ويمتنع عن الاستجابة. لكن هناك من يصغي ويرضى وجدانه ويستريح لما يسمع، ثم ينزع للعمل ليقترف الإثم. وهذه ثلاث مراحل: الأولى هي: ﴿ ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة ﴾. ثم المرحلة الثانية: ﴿ وليرضوه ﴾ ، ثم المرحلة الأخيرة: ﴿ وليقترفوا ﴾ أي يرتكبوا الإثم، وهذه المسألة حددت لنا المظاهر الشعورية التي درسها علماء النفس فالإدراك " لتصغى " ، والوجدان " ليرضوه " ، والنزوع " ليقترفوا ". وقبل أن يولد علم النفس جاء القرآن بوصف الطبيعة البشرية بمراحلها المختلفة من إدراك ووجدان، ونزوع والشرع لا يتدخل عند أي مظهر من مظاهر شعور المرء إلا عند النزوع إلا في حالة واحدة حيث لا يمكن فصل النزوع عن الوجدان وعن الإدراك لذلك يتدخل الشرع من أول الأمر، وهو ما يكون في عملية نظر الرجل إلى المرأة لأنك حين تنظر تجد نفسك: تحبها وتعشقها تفتن بها، ومحرم عليك النزوع، فحين تتقدم ناحيتها يقول لك الشرع: لا. ولأن هذا أمر شاق على النفس البشرية، ولا يمكن فصل هذه العمليات لأنه إن أدرك وجد، وإن وجد نزع، فأمر الحق بالامتناع من أول الأمر:
قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم..
[النور: 30].
وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن..
[النور: 31]. إذن فقد منع الإدراك من بدايته ولم ينتظر حتى النزوع، لماذا؟ لأن الإدراك الجمالي في كل شيء يختلف عن الإدراك الجمالي في المرأة. الإدراك الجمالي في المرأة يحدث عملية كيماوية في الجسم تسبب النزوع، ولا يمكن فصلها أبدا. ﴿ ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون ﴾ [الأنعام: 113]. وساعة ما نقول: " ما " ويأتي الإبهام فهذا دليل على أن هناك أمورا كثيرة جدا. ولذلك يقول الحق:
فغشيهم من اليم ما غشيهم
[طه: 78]. أي أنه أمر لا يمكن أن تحدده الألفاظ، مثله مثل قوله: ﴿ وليقترفوا ما هم مقترفون ﴾. أي أن كل واحد يقترف ويكتسب ويعمل ويرتكب ما يميل إليه فهناك من يغتاب أو يحسد أو يسرق وغير ذلك من شهوات النفس التي لا تحدد لذلك جاء لها باللفظ الذي يعطي على العموم. وما دامت المسألة في نبوة واتباع نبوة، وفي أعداء شياطين من الإنس والجن ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا إذن فهذه معركة، وحتى يتم الفصل فيها لابد من حاكم يحكم. فأوضح الحق: يا محمد أنا أرسلتك، ولك أعداء وسيكيدون لك بكذا وكذا ويبذلون قصارى جهدهم في إيذائك ومن اتبعك، فإياك أن تبتغي حكما غيري لأني أنا المشرع وأنا من أحكم، وأنا الذي سوف أجازي. لماذا؟ لأن الخلاف على ما شرع الله، ولا يستقيم ولا يصح أن يأتي من يقول مراد المقنن كذا، أو المفسر الفرنسي قال كذا، والمفسر الإنجليزي قال كذا، لا، إن الذي يحكم هو من وضع القانون، ومراداته هو أعلم بها، والحق الواضح هو أعلم به، وسبحانه هو من يحكم، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:
" إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها. "
أي إياك أن يقول واحد: إن النبي قد حكم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد حكم بظاهر الحجة، وقد يكون واحد من المختصمين قوي الحجة، والآخر لا يجيد التعبير عن نفسه. إذن فالحكم هو الله لأنه هو الذي قنن، وما دام هو الذي قنن وهو الذي يحكم بينكم، فليطمئن كل إنسان يتخاصم مع غيره لأن القضية يفصل فيها أعدل العادلين وأحكم الحاكمين. ولذلك يقول الحق سبحانه: ﴿ أفغير الله أبتغي... ﴾.