فإنهم عدو لي إلا رب العالمين
[الشعراء: 77] واقرأوا قول الحق:
قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو..
[طه: 123]. ولم يقل أعداء، إذن فكلمة " عدو " تطلق على المفرد والمفردة، والمثنى والمثناة، وعلى جمع المذكر والجمع المؤنث. لكن بعض الذين يحبون أن يكونوا مستدركين على كلام الله. يقول الواحد منهم: كيف يقول: " فإنهم عدو لي " ، أو " اهبطو بعضكم لبعض عدو "؟! ويقول سبحانه وتعالى:
ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكمآ إن الشيطآن لكما عدو مبين..
[الأعراف: 22]. والشيطان عدو، وهم عدو. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى:
واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعدآء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا..
[آل عمران: 103]. ونقول له: أنت قد فاتك أن الذي يتكلم هو الرب الأعلى. والعداوة نوعان، فإذا تعدد العدو، وجمعته مصلحة واحدة في معاداة المعادي يكونون وحدة في العداوة فهم عدو واحد لاجتماعهم على سبب واحد في العداوة.
لكن إذا تعددت أسباب العداوة فالأمر يختلف، فقد يكون لك عدو لأن مظهرك أحسن منه، وعدو آخر لأنك أذكى منه، وعدو ثالث لأنك أغنى منه. فلتعدد الأسباب صار كل واحد منهم عدوا برأسه وجمع على أعداء لتعدد سبب العداوة. ﴿ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض.. ﴾ [الأنعام: 112]. وشياطين الإنس والجن كما يقول النجاة بدل من عدو و " شياطين " جمع شيطان وهو اللعين المطرود، البغيض، سواء أكان من الإنس أم من الجن. ﴿ يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ﴾ والوحي - كما نعرف - هو إعلام بخفاء، ولماذا يوحي بعضهم إلى بعض؟ لأن غلبة الحق لا تجعلهم قادرين على أن يتجاهروا لذلك يتآمرون مع بعضهم البعض، لكن الناس المحقين في قضية يتحركون في علانية. ولا يستخفون من الناس. ﴿ يوحي بعضهم إلى بعض ﴾ ومن الذي يوحي؟ ومن الذي يوحى إليه؟ ليس لنا دخل بهذا الموضوع، إنما الوحي: هو إعلام بخفاء، إن كان إلهاما في النفس، أو إن كان بالإشارة أو بالدس، أو إن كان بالوسوسة، أو إن كان بواسطة رسول نحن لا نراه، كل ذلك أساليب الوحي الشامل للخير والشر. وإذا كان الوحي من شياطين الجن فهل يوحون إلا بشر؟ نعم. وكذلك هناك شياطين من الإنس يوحون أيضا بشر. مصداقا لقوله الحق: ﴿ يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ﴾ وزخرف القول، المقصود به أنهم يدخلون على المسائل بالتزيين، فيزينون للناس الشهوة، ولذلك سماها ربنا " وسوسة " ، ونعلم أن المعاني حين يؤخذ لها ألفاظ تؤخذ من الأشياء الحسية، والوسوسة هي صوت الحلى، وقد اختار الله لما يفعله الشياطين من الإنس والجن اللفظ الموحى بالمعنى المراد لأن وسوسة الحلى تغري بالنفاسة وعظم القيمة، والوسوسة طريقها هو الخفاء. ﴿ يوحي بعضهم إلى بعض ﴾ وهم شياطين من الإنس والجن، إنس يوحي لإنس بأن يزين له المعصية والشهوة، وكثيرا ما يقع ذلك. وجني يوحي لجني لأن الجن مكلف أيضا. وكذلك يوحي الجن للإنس. ﴿ يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ﴾ الزخرف. هو الشيء المزين ظاهره لكن باطنه فاسد، ولذلك قال عز وجل:
وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا..
[الزخرف: 35]. أي أمورا مزخرفة ظاهرا، لكن ليس لها عمق أو عمر أو نفاسة. ﴿ يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا.. ﴾ [الأنعام: 112]. وذلك ليغروهم ويخدعوهم ليفعلوا ويقترفوا المعصية، وإن لم يأتوا للمعصية بكلمات تزخرفها وتزينها فلن يستطيعوا أن يدخلوا بها على الناس لذلك يعرضون ويبدون محاسن المعصية في ظاهر الأمر، مثال ذلك أنك لا تجد من يقول لآخر: اشرب الخمر لتصاب بتليف الكبد مثلا!! ولكن هناك من يقول: احتس الخمر ليذهب همك وتنشط نفسك ويكثر فرحك.
﴿ زخرف القول غرورا ﴾ أي ليغروهم بإظهار فائدة موهومة فيه، ويسترون عن الناس مضرة هذا الشيء ومهالكه. ويتابع سبحانه: ﴿ ولو شآء ربك ما فعلوه ﴾ إن الحق سبحانه وتعالى هو الذي أعطى خلقه اختيارا في أن يكونوا مؤمنين أو أن يكونوا كافرين، مهديين أو ضالين، في نور أو في ظلمة. ويأتي الوقت الذي يثيب فيه سبحانه أو يعاقب لذلك فهو - جل شأنه - لا يرغمهم على فعل ثم يعاقبهم عليه لأنه هو العدل. ولذلك نجد من يقول: لماذا العقاب ولا شيء في الكون يقع على غير مشيئة الله؟ ونقول: نعم كل شيء من فعل الله لأن سبب الاختيار من الله. وسبحانه هو الذي خلق الاختيار. فالكافر لا يقدر أن يؤمن إلا أن شاء الله لكن المطلوب منه أن يؤمن لأن طبيعته صالحة للكفر وصالحة للإيمان. إذن خلق الله الإنسان مختارا في أن يفعل أو لا يفعل في بعض الأمور، فالذي ينظر إلى أن كل فعل من الله أي ليس بطاقة من عبد، نقول له: صحيح رأيك. ومن يقول: إن هذا الأمر من العباد نقول له أيضا: صح موقفك لأن ربنا خلق الإنسان صالحا لأن يحصل منه كذا ويحصل منه كذا. فإن أردت الحقيقة تجد كل فعل يأتي من الله، فأنت - على سبيل المثال - لم تخلق القوة التي لليد لترتفع، ولا خلقت القوة للأصابع لتنقبض. وإذا أردت أن تقبض يدك. فما هي العضلات التي تتحرك لتفعل الانقباض؟ أنت لا تعرف. إنك تقبض يدك بمجرد إرادة منك أن تقبضها، والذي خلق لك هذه القوة يأمرك ألا تستعملها في قهر الآخرين، ولكن عليك أن تستعملها فيما يفيد الناس. واليد صالحة للضرب وللعمل الطيب وأنت لم تخلق الطاقة التي في اليد، ولا خلقت الانفعال فيها لإرادتك. ﴿ ولو شآء ربك ما فعلوه ﴾ أي لو شاء عدم فعله لفعل لأن له طلاقة القدرة فلا يقدر أحد أن يخرج عن مراده أبدا. ونحن نرى السماء والأرض وكل ما دون الإنسان مسخرا، ثم لماذا نأخذ أمثلة من السماء والأرض والنبات والجماد والحيوان؟ خذ المثال من نفسك. أنت فيك أشياء ليس لك سيطرة عليها، ولا اختيار لك عليها، ألك اختيار أن تمرض؟. لا. ألك اختيار أن يقع عليك حجر وأنت تمشي؟. لا. ألك اختيار في أن يصيبك سائق سكران؟. لا. ألك اختيار في أن تموت أو لا تموت؟. لا. لقد جعل الله فيك الأمرين الاثنين: قهرك في أمور والقهرية تثبت له - سبحانه - القدرة وطلاقتها، وجعلك مختارا في أشياء، والاختيار يثبت صحة التكليف. ويتابع الحق مذيلا الآية: ﴿ فذرهم وما يفترون ﴾ لأن افتراءهم وكذبهم وزعمهم الباطل لن يغير من حقيقة الأمر شيئا، وهم يرون أن افتراءهم يعوق الدعوة، لا، فقد صار افتراؤهم وكيدهم وعداوتهم للنبي وقودا مهيجا للدعوة لأن يخلص الدعوة من الشوائب ويصهر المؤمنين بها ويخرج منهم خصال الشر ويملأهم بخلال الخير.