أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا...
[الفرقان: 24]. إذن فالجنة أيضا مستقر، وكذلك النار مستقر للكافرين، يقول عنها الحق:
إنها سآءت مستقرا ومقاما
[الفرقان: 66]. إذن فمستقر تأتي بمعنى حاضر، أو ثابت، أو كتعبير عن مدة وزمن الحياة في الدنيا، والجنة أيضا مستقر، وكذلك النار. ولذلك اختلف العلماء ونظر كل واحد منهم إلى معنى، منهم من يقول: " مستقر " في الأصلاب ثم استودعنا الحق في الأرحام. ومنهم من رأى أن " مستقر " مقصود به البقاء في الدنيا ثم نستودع في القبور. ونقول: إن الاستقرار أساسه " قرار " حضور أو ثبات، وكل شيء بحسبه، وفيه استقرار يتلوه استقرار يتلوه استقرار إلى أن يوجد الاستقرار الأخير، وهو ما يطمع فيه المؤمنون. وهذا هو الاستقرار الذي ليس من بعده حركة، أما الاستقرار الأول في الحياة فقد يكون فيه تغير من حال إلى حال، لقد كنا مستقرين في الأصلاب، ثم بعد ذلك استودعنا الحق في الأرحام، وكنا مستقرين في الدنيا ثم استودعنا. في القبور. حتى نستقر في الآخرة. إن كل عالم من العلماء أخذ معنى من هذه المعاني. والشاعر يقول:
وما المال والأهلون إلا ودائع
ولا بد يوما أن ترد الودائع
ونلحظ أن هناك كلمة " مستقر " وكلمة " مستودع " ، و " مستودع " هو شيء أوقع غيره عليه أن يودع. لكن " مستقر " دليل على أن المسألة ليست خاضعة لإرادة الإنسان. فكل واحد منا " مستقر " به. ويقول الحق: ﴿ قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون ﴾ والتفصيل يعني أنه جاء بالآيات مرة مفصلة ومرة مجملة لأن الأفهام مختلفة، وظروف الاستقبال للمعاني مختلفة، فتفصيل الآيات أريد به أن يصادف كل تفصيل حالة من حالات النفس البشرية لذلك لم يترك الحق لأحد مجالا في ألا يفقه، ولم يترك لأحد مجالا في ألا يتعلم، ونلحظ أن تذييل الآيتين المتتابعتين مختلف فهناك يقول سبحانه:
قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون
[الأنعام: 97]. وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون ﴾ [الأنعام: 98]. و " الفقه " هو أن تفهم، أي أن يكون عندك ملكة فهم تفهم بها ما يقال لك علما، فالفهم أول مرحلة والعلم مرحلة تالية. وأراد الحق بالتفصيل الأول في قوله: ﴿ لقوم يعلمون ﴾ الدعوة للنظر في آيات خارجة عن ذات الإنسان، وهنا أي في قوله سبحانه: ﴿ لقوم يفقهون ﴾ لفت للنظر والتدبر في آيات داخلة في ذات الإنسان. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ وهو الذي أنزل... ﴾.