[القصص: 88] أو نبات كل شيء ترون فيه نموا وحياة، والعقل الفطري يأخذها هكذا، لكن العقل المستوعب يأخذ منها قضايا كثيرة، ويتغلغل في الكون ويجد الآية سابحة معه وهو سابح معها. ويتابع سبحانه: ﴿ فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ﴾ وإذا قلت كلمة " خضر " فقد تعني اللون المعروف لنا وهو الأخضر، لكن " خضر " فيها وصف زائد قليلا عن أخضر لأن " أخضر " يخبر عن لون فقط، واللون متعلقة العين، لكن " خضر " يعطي اللون، ويعطي الغضاضة ونعرفها " بالجس ". وحين تلمسه تجد النعومة. إذن " خضر " فيها أشياء كثيرة " لون " متعلق العين، و " غضاضة " نعرفها بالجس وفيها نعومة نعرفها باللمس. وهذا اللون الأخضر يكون داكنا جدا أي أن خضرته شديدة حتى إنها تضرب إلى السواد لذلك نسمع من يقول: " سواد العراق " أي الأرض الخصبة التي في العراق، ويسمونها سواد العراق لأنها خضراء خضرة شديدة ولذلك تكون مائلة إلى السواد، ويقول الحق سبحانه وتعالى:
ومن دونهما جنتان * فبأي آلاء ربكما تكذبان * مدهآمتان
[الرحمن: 62-64]. و " مدهامة " أي مثل دهمة الليل كأنها من شدة خضرتها صارت كدهمة الليل. ويتابع الحق ﴿ خضرا نخرج منه حبا متراكبا ﴾ والحب هو ما ليس له نواة مثل حبة الشعير وحبة القمح وحبة العدس وحبة اللوبيا. و " متراكبا " تعني أنه حب مرصوص متساند. ﴿ ومن النخل من طلعها قنوان دانية ﴾ والنخل عند العرب له مكانة عالية لأنه يعطي لهم الغذاء الدائم فيذكرهم به ﴿ ومن النخل من طلعها قنوان دانية ﴾.
و " الطلع " هو أول شيء يبدو من ثمر النخل، وهو ما نسميه في الريف " الكوز الأخضر " وهو في الذكر من النخل الذي يسمى " الفحل " ويوجد أيضا في الأنثى، وأول ما يبدو من ثمر النخل يسمى الطلع، ثم ينشق الطلع ويخرج منه القنو أو العزق أو العرجون، وهو الجزء الذي توجد فيه الشماريخ التي يتعلق بها البلح. والطلع إذن هو الثمرة الأولى للنخلة قبل أن تنشق ويطلع منها القنوان وهو " السباطة " كما نسميها في الريف. " قنوان دانية " ويصفها الحق بأنها دانية لأنك حين تنظر طلع النخيل أول ما يطلع تجده ينشق ويحمي نفسه بشوك الجريد حتى لا تأكله الحشرات ثم يثقل وينحني ويكاد ينزل على الأرض فيكون دانيا قريبا، فإن كانت هناك " سباطة " شاذة تجد من يجنيها يدخل يده بين الشوك ليصل إليها. وسبحانه يترك لنا فلتات لنعرف نعمة الله في أنه جعلها تتدلى لأنها لو كانت كلها دانية. قد لا يلتفت إليها، لذلك يترك واحدة بين الشوك ليتعب الإنسان حتى يحصل عليها لتعرف أنه سبحانه قد دنى لك الباقي وهذه نعمة من الله. ويطلق الطلع مرة على الأكمام و " الكم " هو ما توجد في قلبه الثمار، ومرة يطلق على الثمر نفسه:
والنخل باسقات لها طلع نضيد
[ق: 10]. وأنت ترى البلح نازلا من " الشماريخ " ، وكل شمروخ به عدد من البلح، ثم ترى " الشمروخ " متصلا بالأم، وفي ذلك ترى عظمة الهندسة العجيبة في ترتيب الثمار. وكل شيء محسوب في هذا الأمر بهندسة عجيبة وعندما ننظر إلى ما تعلمناه في حياتنا حين نصمم شبكة توصيل المياه وشبكة الصرف الصحي، إن شبكة المياه التي تعطينا الذي نستخدمه، وشبكة الصرف الصحي التي تأخذ الزائد من المياه والفضلات. عندما تنظر إلى هذه الشبكة أو تلك تجد هندسة كل منها دقيقة لأن أي غفلة في التصميم تسبب المتاعب. فحين تريد توصيل المياه إلى حارة فأنت تستخدم ماسورة قطرها كذا بوصة، وفي الحارة هناك عطفات فتحضر لكل عطفة ماسورة أقل قطرا من الأولى، ثم ماسورة أقل للبيوت، وماسورة أقل بكثير لكل شقة، لقد قام المهندسون بحساب دقيق لهذه المسائل. فإذا كانت هذه هي هندسة البشر، فما بالنا بهندسة الخالق؟ أنت تجد العزق: وهو حامل الرطب يأخذ من النخلة، وكل نخلة فيها كذا " سباطة " وفي كل " سباطة " هناك " الشماريخ " ، ثم هناك البلح وكل بلحة تأخذ شعرة لغذائها. وهكذا نجد كل شيء محسوبا بدقة بالغة. إنها هندسة كونية عجيبة مصنوعة بقول الحق: كن، وصدق الله القائل: