وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد
[الكهف: 18]. الكلب هنا على هذه الصورة الثابتة، وحين يريد القرآن أن يأتي بالصفة التي تتغير، يأتي بالفعل:
ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فتصبح الأرض مخضرة
[الحج: 63]. وكان القياس أن يقول: فأصبحت الأرض مخضرة لأنه قال: " أنزل " لكنه يأتي بالتجدد الذي يحدث ﴿ فتصبح الأرض مخضرة ﴾. ويتابع الحق: ﴿ والشمس والقمر حسبانا ﴾ ونحن نعرف الشمس والقمر وجاء بعد ذلك بكلمة ﴿ حسبانا ﴾ ، على وزن فعلان، وهذا ما يدل عادة على المبالغة مثلما تقول: فلان والعياذ بالله كفر كفرانا. ومثلما تدعو: غفر الله لك غفرانا. فحين تحب أن تبالغ تأتي بصيغة فعلان. وجاء القرآن بكلمة " حسبان " في موضعين اثنين فيما يتصل بالشمس والقمر جاء بها هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها ﴿ والشمس والقمر حسبانا ﴾ ، وفي سورة الرحمن يقول الحق سبحانه:
الشمس والقمر بحسبان
[الرحمن: 5]. وما الفرق بين التعبيرين؟ " حسبان " هنا تعني أن تحسب الأشياء، فنحن نحسب السنة بدورة الشمس ب 365 يوما وربع اليوم وهي تمر بالبروج فيها خلال هذه المدة، والقمر يبدأ بروجه كل شهر في ثمانية وعشرين يوما وبعض اليوم، ونحن نحسب بالشمس اليوم، ونحسب بها العام، ولكنا نحسب الشهر بالقمر، وأنت لا تقدر أن تحسب الشهر بالشمس، بل تحسب الشهر بالقمر لأنه يظهر صغيرا ثم بكبر ويكبر ويكبر. ولذلك يثبت رمضان عندنا بالقمر لا بالشمس. واليوم نثبته بالشمس. وهكذا عرفنا أن الشمس والقمر ويعملان في حسابنا للأيام والشهور، والاثنان حسبان: الشمس لها حساب، والقمر له حساب وإذا ما نظرت إلى كلمة " حسبان " تفهم أن الشمس والقمر، كليهما مخلوق ليحسب به شيء آخر لأنهما خلقتا بحسبان، أي أنهما قد أريد بهما الحساب الدقيق، لأن الشمس مخلوقة بحساب، وكذلك القمر. وتعال إلى الساعة التي نستعملها، ألا يوجد بها عقرب للساعات، وآخر للدقائق، وثالث للثواني؟. وهذا أقل ما قدرنا عليه، وإن كان من الممكن أننا نقسم الثانية إلى أجزاء مثلما عملنا في المساحات فهناك المتر، والسنتيمتر، والملليمتر، ثم بعد ذلك قلنا الميكروملليمتر. إذن، كلما نرتقي في التقدم العلمي نحسب الحساب الأدق. ولم تكن الشمس والقمر حسابا لنا نحسب بهما الأشياء إلا إذا كانت مخلوقة بحساب. إنك حين تنظر إلى ساعتك تدرك قفزة عقرب الثواني ولكنك لا تدرك حركة عقرب الدقائق، وكذلك لا تدرك حركة عقرب الساعات، وكل من العقارب الثلاثة يدور " بزمبلك " وترس معين. إن اختلت الحركة في زمبلك أو ترس، ينعكس هذا الخلل على بقية العقارب، والثانية محسوبة على الدقيقة، والدقيقة محسوبة على الساعة. وهكذا فإن لم تكن الساعة مصنوعة بهذا الحساب الدقيق فهي لن تعمل جيدا. وهكذا لا نعتبر الساعة معيارا لحساب أزماننا إلا لأنها في ذاتها خلقت بحساب. والحق سبحانه يقول: ﴿ الشمس والقمر بحسبان ﴾ أي لنحسب بهما لأنهما مخلوقتان بحسبان. أي بحساب دقيق، ولماذا لم يقل الحق حسابا وجاء بحسبان هنا، وحسبان في آية سورة الرحمن؟. ذلك لأن الأمر يقتضي مبالغة في الدقة. فهذا ليس مجرد حساب، لكنه حسبان. ويذيل الحق الآية بقوله: ﴿ ذلك تقدير العزيز العليم ﴾ ، وكلمة " العزيز " تفيد الغلبة والقهر فلا يستطيع أحد أن يعلو عليه فهذه الأجرام التي تراها أقوى منك ولا تتداولها يدك، إنها تؤدي لك مهمة بدون أن تقرب منها فأنت لا تقترب من الشمس لتضبطها، مثلما تفعل في الساعة التي اخترعها إنسان مثلك، والشمس لها قوة قد أمدها الله خالقها بها ولا شيء في صنعته ولا في خلقه يتأبى عليه. فهذا هو تقدير العزيز العليم، وهو سبحانه يعطينا حيثيات الثقة في كونها حسبانا لنحسب عليها. فهو جل وعلا خالقها بتقدير عزيز لا يغلب، وهو عزيز يعلم علما مطلقا لا نهاية له ولا حدود. ويقول الحق من بعد ذلك: ﴿ وهو الذي جعل لكم... ﴾.