فحين يريد الحق أن يخاطب رسوله، يقول:
ذلك الكتاب لا ريب فيه
[البقرة: 2]. ولكنه هنا يخاطبنا فيقول: ﴿ ذلكم ﴾ إشارة إلى قول الحق سبحانه وتعالى: الله، وفالق، ومخرج، والخطاب لجمهرة المخاطبين بالقرآن. فإذا كان الله بهذه الصفات فكيف ينصرفون عن الإيمان به وتوحيده؟ وذكر لنا أول مقوم من مقومات الحياة وهو النبات وهو ما نأكله، فإذا كان الحق سبحانه وتعالى هو الذي خلق الحب وخلق النوى ليخرج الحي من الميت وهو مخرج الميت من الحي فهو أولى بأن يكون إلها معبودا فكيف تصرفون عنه؟! وإلى من تصرفون؟! إلى من توجد فيه صفات أرقى من هذه الصفات؟!! لا يوجد من فيه صفات مثل هذه، ولا أرقى من هذه الصفات. وإذا سمعت كلمة: " أنى " فافهم منها أنها تأتي للتعجيب، تأتي وتطلب أن يدلنا واحد على كيفية انصرافهم عن الله وتوحيده مع وضوح الدلالات والبراهين. ومرة يقول الحق سبحانه:
كيف تكفرون بالله
[البقرة: 28]. هو سبحانه يخاطب الناس ويقول لهم: كيف تكفرون بالله؟ فالله في ذاته يستحق ألا يكفر به، لأنه هو الذي خلق من عدم، وأمد من عدم، ولم يشاركه أحد أو ينازعه في هذا الأمر، وإليه نرجع جميعا، فكيف تكفرون به؟ وهذا تعجيب كبير لذلك يقول سبحانه هنا: ﴿ فأنىتؤفكون ﴾ أي فكيف تصرفون عن الحق وتعدلون عنه إلى الباطل فتعبدون - مع الله - إلها آخر بعد أن تعلموا أن هذه الصفات له - سبحانه - وليست لغيره؟ وكل تعجيب يأتي في " أنى " مثل قوله الحق:
أنى يحيي هذه الله بعد موتها
[البقرة: 259]. أي كيف يحيي هذه الله بعد موتها؟ ويقول سيدنا زكريا لسيدتنا مريم: ﴿ أنى لك هذا ﴾ إذن فالتعجب ملازم لكلمة " أنى " فكأن الصفات التي تقدمت صفات موجبة للإيمان بالله واحدا قهارا مريدا عالما حكيما نرجع إليه جميعا، فقولوا لنا: كيف تكفرون بهذا الإله؟ وإلى من تذهبون إذا كان هذا الإله يكفر به؟ أهناك شيء ادعى أنه خلق وأنه رزق؟ لو أن شيئا ادعى أنه خلق أو رزق كنا نعذركم، لكن لم يدع شيء في الوجود بأنه خلق أو رزق، والدعوة تثبت لصاحبها ما لم يقم لها معارض. ﴿ فأنى تؤفكون ﴾ وكلمة " أنى تؤفكون " تعني كيف تصرفون انصرافا كذبا لأن " الإفك ". معناه الكذب المتعمد. ويقول الحق من بعد ذلك: ﴿ فالق الإصباح... ﴾.