تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينآ أن يرهقهما طغيانا وكفرا

[الكهف: 80]. والأبوان قد يدللان هذا الابن، ويطعمانه من مال حرام، ويكون فتنة لهما، فقتل الغلام ليظلا على الإيمان، وعجل ربنا بالولد إلى الجنة مباشرة. وفي مسألة الجدار تجد الخلاف بين رؤية عالم الملك، ورؤية عالم الملكوت. ففي ظاهر الأمر أنهما حين أتيا أهل القرية طلبا للطعام، وطلب الطعام شهادة صدق على الضرورة، لأنه ليس طلبا للنقود، فقد يطلب أحد النقود ليدخرها، لكن من يقول: " أعطني رغيفا لآكل " فهذه آية صدق الضرورة في طلب الطعام. ولكن أهل القرية أبوا أن يضيفوهما، إذن هم لئام لا كرام. ويرى العبد الصالح جدارا يريد أن ينقض، وآيلا للسقوط فأقامه، وغضب سيدنا موسى، سبب غضبه أنه والعبد الصالح استطعما هؤلاء فلم يطعموهما، فكيف تبني جدارا لهم؟! وكان يصح أن تأخذ عليه أجرا، وغضب سيدنا موسى سببه ظاهر، لكن العبد الصالح يشرح المسألة: لقد أقام الجدار لأن أهل القرية لئام ولم يعطونا طعاما، ولو وقع الجدار وظهر الكنز تحته أمام لئام بهذا الشكل لسرقوه من أصحابه، وهم أطفال، وقد بناه العبد الصالح بهندسة إيمانية ألهمه الله بها بحيث إذا بلغ الولدان الرشد يقع الجدار. أي أنه بناء موقوت، مثلما نضبط المنبه على وقت محدد، كذلك الجدار بحيث إذا بلغ الولدان الرشد يقع الجدار ويأخذان الكنز. وهذا يوضح لنا الخلاف بين عالم الملك وبين عالم الملكوت فعالم الملكوت هو الذي يغيب عنا وراء الأسباب. وكثير من الناس يقف عند الأسباب، ولا ينتقل من الأسباب إلى السبب المباشر، إلى أن ينتهي إلى مسبب ليس بعده سبب. ﴿ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين ﴾ [الأنعام: 75]. فهل تيقن أو لم يتيقن؟.

و " موقنين " جمع " موقن " والجمع أقله ثلاثة، واليقين ينقسم إلى ثلاث مراحل: يقين بعلم من تثق فيه لأنه لا يكذب ويقين بعين ما تخبر به، ويقين بحقيقة المخبر به. وحين عرض الحق سبحانه وتعالى هذه المسألة في سورة التكاثر قال:

ألهاكم التكاثر * حتى زرتم المقابر * كلا سوف تعلمون * ثم كلا سوف تعلمون * كلا لو تعلمون علم اليقين

[التكاثر: 1-5]. إذا أخبرتكم فهذا الخبر هو الصورة العلمية، وكان يجب أن يكون ما أخبركم به علم اليقين.

كلا لو تعلمون علم اليقين * لترون الجحيم * ثم لترونها عين اليقين

[التكاثر: 5-7]. لأننا سوف نرى النار في الآخرة، لكن لم تأت حقيقة اليقين، وجاءت حقيقة اليقين في سورة الواقعة:

وأمآ إن كان من أصحاب اليمين * فسلام لك من أصحاب اليمين * وأمآ إن كان من المكذبين الضآلين * فنزل من حميم * وتصلية جحيم * إن هذا لهو حق اليقين

[الواقعة: 90-95]. وسيدنا إبراهيم عليه السلام كان حقا من الموقنين في كل أدوار حياته لأن الله أعلمه ما وراء مظاهر الملك، ما وراء مظاهر الأشياء وعواقبها. فمثلا عندما أخذ ليطرح في النار جاء له جبريل ليقول: ألك حاجة؟ قال سيدنا إبراهيم: أما إليك فلا. ويقول ذلك وهو يعرف أن النار تحرق، ولكن هذا ظاهر الملك، وظواهر الأشياء، وسيدنا ابراهيم يعلم أن الذي خلقها جعلها محرقة، ويستطيع ألا يجعلها محرقة، وهو متيقن به، ولذلك لم يطفئ الله النار بظاهر الأسباب ولكن جعلها الله ليا لأعناق خصومه، فأوضح الحق: يا نار أنا خلقت فيك قوة الإحراق، وأنا أقول لك الآن: لا تحرقي.

قلنا ينار كوني بردا وسلما على إبراهيم

[الأنبياء: 69]. إذن فإبراهيم يعرف هذه الحقائق المختفية وراء الملك الظاهر، وهذا من الابتلاءات الأولى في حياته، ويملك أن يرد على سيدنا جبريل لحظة أن سأله قبل أن يلقوا به في النار: ألك حاجة؟ فيقول إبراهيم: أما إليك فلا. ثم يأتي له الابتلاء في آخر حياته بذبح ولده. ونعلم أن الإنسان تمر عليه أطوار تكوين ذاتيته، وأحيانا تكون الذات هي المسيطرة، وفي طور آخر تبقى ذاتية أولاده فوق ذاتيته، أي أنه يحب أولاده أكثر من نفسه. يتمنى أن يحقق لأولاده كل ما فاته شخصيا. فلما كبر إبراهيم ووهبه الله الولد يأتيه الابتلاء بأن يذبح ابنه. إنه ابتلاء شديد قاس، وهو ابتلاء لا يأتي بواسطة وحي بل بواسطة رؤيا. وكلنا نعلم أن رؤيا الأنبياء حق. لكن إبراهيم يعلم أن الحق سبحانه وتعالى لا يطلب من خلقه إلا أن يستسلموا لقضائه، ولذلك إذا رأيت إنسانا طال عليه قضاء ربه في أي شيء في مرض، في مصيبة، في مال، أو غير ذلك فاعلم أنه لم يرض بما وقع له، ولو أنه رضي لانتهى القضاء.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٦٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٦٢١