تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالقضاء لا يرفع حتى يرضى به، ولا يستطيع أحد أن يلوي يد خالقه. إذن فالناس هم الذين يطيلون على أنفسهم أمد القضاء. ولذلك عرف سيدنا إبراهيم هذه القضية: قضية فهمه لعالم الملكوت. فلما قيل له: " اذبح ابنك " لم يرد أن يمر ابنه بفترة سخط على تصرف أبيه لأنه إن أخذه من يده وفي اليد الأخرى السكين فلا بد أن تكون هذه اللحظة مشحونة بالسخط، فيحرم من الجزاء، فيبين له المسألة. ويقول القرآن حكاية عن إبراهيم:

يبني إني أرى في المنام أني أذبحك...

[الصافات: 102]. وهذا القول يريد به إبراهيم أن ينال ابنه ثواب الاستسلام وهو دليل محبة إبراهيم لولده، فماذا قال إسماعيل:

يأبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شآء الله من الصابرين

[الصافات: 102]. قال إسماعيل ذلك ليأخذ عبودية الطاعة. ويؤكد القرآن رضا إبراهيم وابنه بالقضاء فيقول:

فلما أسلما وتله للجبين

[الصافات: 103]. وهذا القبول بالقضاء هو ما يرفعه. لذلك يقول القرآن بعدها:

وناديناه أن يإبراهيم * قد صدقت الرؤيآ إنا كذلك نجزي المحسنين

[الصافات: 104-105]. ويفدي الله إسماعيل بذبح عظيم، ولا يقتصر الأمر على ذلك بل يرزق الله إبراهيم بولد آخر لأنه فهم ملكوت السماوات والأرض، وعرف نهاية الأشياء. فإذا ما أصيب الإنسان بمصيبة فما عليه إلا أن يرضى ويقول: ما دامت هذه المصيبة لا دخل لحركتي فيها، وأجراها علي خالقي فهي اختبار منه - سبحانه - ولا يوجد خالق يفسد ما خلق. ولا صانع يفسد ما صنع، ولا بد أن لذلك حكمة عنده لا أفهمها أنا، لكني واثق في حكمته. إن طريق الخلاص من أي نائبة من النوائب أن يرضى المؤمن بها، فتنتهي. ومن تحدث له مصيبة بأن يموت ولد له، ويظل فاتحا لباب الحزن في البيت، وتبكي الأم كلما رأت من في مثل سنه فسيظل باب الحزن مفتوحا، وإن أرادوا أن يزيل الله عنهما هذا الابتلاء فليقفلا باب الحزن بالرضا. وليعلم كل مؤمن أن ما أخذ منه هو معوض عنه بأجر خير منه، والمأخوذ الذي قبضه الله إليه وتوفاه معوض بجزاء خير مما يترك في الدنيا، ولذلك يقال: المصاب ليس من وقعت عليه مصيبة وفارقه الأحباب، بل المصاب من حرم الثواب، فكأنه باع نكبته بثمن بخس. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ فلما جن عليه الليل... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٦٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٦٢٢