واتقوا الله ويعلمكم الله
[البقرة: 282]. أي أنك ما دمت مأمونا على ما عرفت من أحكام الحق لحركة حياتك وتنفذه فإن الحق يعتبرك أمينا على أسراره، ويعطيك المزيد من الزيادة. ومعنى " تتقي " أي أن تلتحم بمنهج الحق، وإذا التحمت بالمنهج الحق كنت في الفيوضات الدائمة التي لا تنقضي من الحق لأن الذي في معيته لا بد أن يخلع الحق عليه من واردات وعطاءات صفاته ما يجلي صلته بربه ويطمئنه عليه، ومثال ذلك ما حدث في " قصة الهجرة " تجد الرسول صلى الله عليه وسلم وسيدنا أبا بكر في الغار، ويقول أبو بكر لرسول الله: لو نظر أحدهم تحت قدمه لرآنا، وهذه قضية كونية مؤكدة، ويرد عليه الرسول صلى الله عليه وسلم بما ينقله من القضية الكونية الظاهرة الواضحة إلى عالم الملكوت الخالص، ويقول:
" يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما "
أي أنه يقول له: اطمئن، لن يرانا أحد لأننا في معية الله، وسبحانه لا تدركه الأبصار. وحين يكون الضعيف في معية القوي فقانون القوى هو الذي يتغلب، فلا يصبح الضعيف ضعيفا، فحين يكون هناك ولد بين الأطفال الذين في مثل سنه ويضطهدونه ويؤلمونه ويؤذونه، ثم يرونه في يد أبيه لا يجرؤ أحد منهم أن يأتي إلى ناحيته، والناس لا يقدر بعضهم على بعض إلا إذا انفلتوا من معية الله، ومن في معية الله لا يجترئ عليه أحد أبدا. ولذلك يرسل لنا ربنا قضايا الملك وقضايا الملكوت، ويمثلها في رسول الله من أولي العزم من الرسل مع عبد صالح آتاه الله شيئا من علمه وفيضه لأنه اتقاه. يقول الحق سبحانه:
فوجدا عبدا من عبادنآ آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما
[الكهف: 65]. إن هذا العبد قد أخذ منهج الرسول الذي جاء به واتبعه، فأداه حق الأداء فاتصل بالحق فأعطاه الحق من لدنه علما. وحين ننظر في هذه القضية نتعجب لأننا نجد سيدنا موسى - ينظر في عالم الملك بينما ينظر من آتاه الله من لدنه رحمة ومن عنده علما ينظر من عالم الملكوت، وموسى معذور لأنه ينظر في دائرة الأسباب، والعبد الصالح معذور هو الآخر لأنه ينظر في دائرة ثانية، ولذلك سيقول العبد الصالح:
وما فعلته عن أمري
[الكهف: 82]. أي أن المسألة ليست من ذاته، بل هو مأمور بها. وحين ننظر إلى تقدير موقف كل منهما للآخر نجد العبد الصالح يقول:
إنك لن تستطيع معي صبرا
[الكهف: 67]. أي أن العبد الصالح يعذر موسى، ويضيف:
وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا
[الكهف: 68]. فيقول القرآن على لسان موسى:
قال ستجدني إن شآء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا
[الكهف: 69]. فها هو ذا الرسول الذي جاء ليبلغ المنهج يطيع عبدا صالحا طبق المنهج من رسول سابق ونفذه كما يحب الله، والتحم بالمنهج، وجاء لنا ربنا بهذه القصة مع رسول من أولي العزم. ويتلقى موسى عليه السلام الأمر من العبد الصالح:
قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا
[الكهف: 70]. لماذا؟ لأن العبد الصالح يعلم أن موسى سيتكلم عن عالم الملك، وهو يتكلم من عالم الملكوت. وحين ركبا السفينة، وخرقها العبد الصالح، والخرق إفساد ظاهري في عالم الملك. يوضح سيدنا موسى للعبد الصالح أن هذا الفعل إخلال بالقانون، وكيف يعتدي على السفنية بالإفساد؟ فيرد العبد الصالح: ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا، وليست لك طاقة على مثل هذه المسائل، فيتذكر موسى، ثم تأتي حكاية الغلام، وحكاية الجدار.
وحين ندقق النظر في هذه الأمور نجد عالم الملكوت يصحح الأمور الشاذة في عالم الملك فخرق السفينة إفساد ظاهري لكن إذا علم موسى أن هناك ملكا يأخذ السفن السليمة الصالحة ويستولي عليها غصبا وهذه السفينة لمساكين يعملون في البحر، ويريد العبد الصالح أن يحافظ لهم على السفينة فيخرقها حتى لا يأخذها المغتصب وحين يقارن الملك المغتصب بين سفينة سليمة وسفينة مخروقة. فلن يأخذ السفينة غير السليمة، ويمكن لأصحابها إصلاحها. إذن لو علم موسى بهذه المسألة، ألا يجوز أن يكون موسى هو الذي كان يقوم بخرق السفينة؟ إنه كان سيخرقها، إذن لو علم صاحب نظرية الملك ما في نظرية الملكوت من أسرار، لفعل هو الفعل نفسه. وحين نأتي لقتل الغلام، لا بد من التساؤل: وما ذنب الغلام؟ فيفسر العبد الصالح الأمر: