تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه

[الرعد: 11]. وهكذا يكون قهر الله لنا، لمصلحتنا نحن لأن الضعيف حين يقهره جبار، يمكنه أن يقول: الله هو القهار الأعلى، وفي هذا تذكير للقوى نسبيا أن هناك قهارا فوق كل الكائنات، فالله قهار فوق الجميع، وبذلك يرتدع القوي عن قهره، فيمتنع عن الذنب، وتمتنع عنه العقوبة، وفي ذلك رحمة له. ﴿ ويرسل عليكم حفظة ﴾ [الأنعام: 61]. وجاء معنى " الحفظة " في القرآن في قوله الحق:

ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد

[ق: 18]. فكل لفظ له رقيب عتيد، حفظة أي ملائكة يحفظون ويحصون أعمالكم ويسجلونها وهم الكرام الكاتبون، وكلما تقدم العلم أعطانا فهما للمعاني الغيبية، وإن كانت المعاني الغيبية التي نستقبلها عن الله دليلنا فيها السماع، ففيه رقيب وعتيد يكتبان فقط، هكذا قال ربنا فآمنا بما قال وانتهت المسألة، وهذا هو المطلوب. ولذلك قال الحق:

الذين يؤمنون بالغيب

[البقرة: 3]. لأن الإيمان لو كان بالمشهد فما الفرق - إذن - بين الناس؟ إن الإيمان في كماله وقمته هو الإيمان بالغيب، فإذا قال الحق سبحانه وتعالى:

ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد

[ق: 18]. فهذا خبر عن الملائكة الذين يكتبون الحسنات، ويكتبون السيئات. وحين ننظر إلى البشر، نجدهم يتفاوتون ويرتفع بعض منهم على بعض في صفات وقدرات، وكلما تقدم الزمن عرف الإنسان سرا من أسرار الله يترقى به.

وقديما عندما صنعوا جهاز التسجيل كان حجمه كبيرا ثم تقدم العلم حتى صغر حجم المسجل، إذن كلما تقدمت الصنعة صغرت الآلة، لدرجة أنهم صنعوا مسجلا في حجم الساعة، ثم صنعوا آخر في حجم " فص الخاتم " ، وصنعوا مسجلا يشبه الحبوب، وينثرونها في أي مكان عندما يريدون التقاط أسرار جماعة أو أسرار مجلس، إذن كلما قويت قدرة الصانع دقت الصنعة. فإذا نسبتها لله، فأين دقة الذي صنعته أنت بجانب دقة صنعة الله؟ فإذا كان واحد من البشر قد استطاع أن يأتي بمسجلات غير مرئية مع أن قدرته محدودة، وحكمته في الصنعة محدودة، فإذا قال ربك: إن هناك ملائكة لن تراهم وستحصى عليك أعمالك وهم غيب فقل على العين والرأس، وسبحانه القائل:

كراما كاتبين

[الانفطار: 11]. وهنا يقول الحق: ﴿ ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جآء أحدكم الموت ﴾ [الأنعام: 61]. وعندما أراد العلماء أن يعرفوا الموت قالوا: الموت سهم أرسل، وعمرك بقدر سفره إليك، هو إذن سهم قد انطلق، لكن عمرك يقدر بمقدار سفره إليك، وحين يقول الحق: ﴿ حتى إذا جآء أحدكم الموت ﴾ فهو ينسب الموت لمن؟. لقد أبهم الله زمانه، وأبهم مكانه، وأبهم سببه، وأبهم قدره، وهذا الإبهام هو أشد أنواع البيان لأنه ما دام قد أبهمه في كل هذه الأمور يجب أن نستعد للقائه في كل زمان، وفي كل مكان، وبأي سبب. وإياك أن تتعجب لأنه يحدث في أي سن، فإبهام الحق له هو أكبر بيان لأنه سبحانه لو حدده زمانا أو سنا أو سببا لكان على الإنسان أن ينتظر الموت، لكن الحق شاء هذا الابهام وهو أقوى أنواع البيان، ليلفتك ويحثك على أن تنتظره في أي زمان وفي أي مكان وبأي سبب وفي أي سن، وبهذا يكون الموت واضحا أمامنا جميعا، ولذلك تخشى ارتكاب أي ذنب حتى لا تقبض روحك وأنت على الذنب لأنك لا تحب أن تلقى الله وأنت عاص. وعندما يؤذن لصلاة الظهر ولم تصله، قد تقول: إن وقته ممتد، وتجد من يقول لك: اضمن لي انك ستعيش إلى أن ينتهي وقت الظهر.

" ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: عندما سأله عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قائلا: أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: " الجهاد في سبيل الله ".

إنك لا تضمن من عمرك أن تعيش إلى آخر الوقت. ولذلك عندما نقول: إن الإبهامات من أقوى أنواع البيان فيجب أن نصدق ذلك لأن البعض يقول: ولماذا لم يبين الله لنا ذلك؟ ودائما أقول: لقد أوضح الله ما أبهم، فإن الإبهام هو أقوى بيان، ألم نر إنسانا ذهب لطبيب ليعالجه في مسألة فكان الطبيب سبب موته؟ لقد رأينا ذلك.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٥٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٥٩٦