لقد أخذ هذا الإنسان بالأسباب ولم يمنع ذلك أن قدر الله قد نفذ فيه. ولذلك قال شوقي - رحمة الله عليه -:
أسد لعمرك من يموت بظفره عند
اللقاء كمن يموت بنابه
إن نام عنك فكل طب نافع
أو لم ينم فالطب من أذنابه
فقد يخطئ الطبيب - مثلا - في إعطاء حقنة - فتنتهي الحياة ويقولون: خطأ الطبيب إصابة الأقدار. مصداقا لقوله تعالى: ﴿ حتى إذا جآء أحدكم الموت توفته رسلنا ﴾ [الأنعام: 61]. وعندما تأتي كلمة " توفى " تجدها في القرآن دائرة على ثلاثة ألوان: اللون الأول هو قول الحق:
الله يتوفى الأنفس حين موتها
[الزمر: 42]. وقوله سبحانه:
قل يتوفاكم ملك الموت
[السجدة: 11]. ومرة يقول الحق سبحانه: ﴿ توفته رسلنا ﴾ [الأنعام: 61]. سبحانه - إذن - ينسب الموت له ولملك الموت، ولرسله. وهل الرسل يأخذون الأرواح ويقبضونها إلا بإذن من ملك الموت؟ إنهم جنوده، فلا أحد يميت دون إذن من الله، فأخذ الأرواح وقبضها إلى الله أمرا، وإلى ملك الموت وسيلة وواسطة، وإلى الرسل تنفيذا. ﴿ توفته رسلنا وهم لا يفرطون ﴾ [الأنعام: 61]. من أين يأتي التفريط؟ لقد تقدم في هذه الآية شيئان اثنان: حفظة يحفظون عليك تصرفاتك وفعالك، وهم يأخذون الروح أيضا. وهؤلاء الملائكة لا يفرطون في هذه المهمة أو تلك. وحين ننظر في مادة ال " فاء " ، وال " الراء " وال " الطاء " نجدها تأتي مرة " فرط " ، ومرة " أفرط ". ومن العجيب أنها تأتي للمتقابلين ففرط في الشيء أي أهمله، وأفرط في الشيء أي جاوز الحد والقدر في الحدث. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿ وهم لا يفرطون ﴾ أي لا يهملون ولا يقصرون. وفي إحدى قراءات القرآن نجد من يقرأ: " لا يفرطون " بالتخفيف، والمقصود أنهم لا يتجاوزون الحد. ولذلك نجد الحق يقول:
فإذا جآء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون
[الأعراف: 34]. ويقول الحق من بعد ذلك: ﴿ ثم ردوا إلى الله... ﴾.