ولذلك يقول لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة لآخر رمضان ".
ففي آية ليلة ينزل فيها الله؟ ليلتك أم ليلة المقابل لك؟ أم الليلة التي تشرق الشمس فيها في مكان، وتغيب عن مكان آخر؟ إذن، فكل واحد من المليون من الثانية ينشأ ليل وينشأ نهار، وهكذا نعلم أن الله معك ومع غيرك، باسطا لك ولغيرك يده.
بل يداه مبسوطتان
[المائدة: 64]. لذلك لا تفهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها ".
لا تفهم ذلك بتخصيص ليل معين أو نهار معين لأن يده مبسوطة في كل زمان وفي كل مكان وليس كمثله شيء. ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾. وعباده من مادة العين والباء والدال، ومفردها " عبد " ، وجمعها يكون مرة " عبيدا " وأخرى " عبادا ". و " العباد " هم المقهورون لله فيما لا اختيار لهم فيه، وهم أيضا المنقادون لحكم الله فيما لهم فيه اختيار لأن الإنسان مقهور في بعض الأمور ولا تصرف له فيها: لا تصرف له في نفسه، ولا تصرف له في نبضات قلبه، ولا تصرف له في حركة المعدة، ولا تصرف له في حركة الأمعاء، ولا تصرف له في حركة الحالبين، ولا تصرف له في حركة الكلية، وكلها مسائل تشمل المؤمن والكافر، والكل مقهور فيها. إن من رحمة الله أننا مقهورون فيها ولا رأى لنا لأنه لو كان لنا رأي في مثل هذه الأمور لكان لنا أن نسأل: كيف ننظم عملية تنفسنا في أثناء النوم؟. إذن فمن رحمة الله أن منع عنا الاختيار في بعض الأمور التي تمس حياتنا. ومن رحمة الله أن كلا منا مقهور فيها، فمن يستطيع أن يقول لمعدته: اهضمي الطعام؟ ومن يستطيع أن يأمر الكلى بالعمل؟!!. إذن فكل أمر مقهور فيه الإنسان، هو فيه منقاد لله ولا اختيار له. أما الأمر الذي لك فيه اختيار فهو مناط التكليف. ولذلك لا يقول لك المنهج: " افعل " إلا وأنت صالح ألا تفعل، ولا يقول لك " لا تفعل " إلا وأنت صالح أن تفعل. إذن الأمور الاختيارية هي التي وردت فيها " افعل " و " لا تفعل ". وهي الأمور التي فيها التكليف. ومن يطع ربنا في منهج التكليف يصبح وكأنه مقهور للحكم، ويكون ممن يسميهم الله " عبادا " ، فكأنهم تنازلوا عن اختيارهم في الأحكام التكليفية، وقالوا: يارب لن نفعل إلا ما يريده منهجك.
وكل منهم ينفذ حكم الله فيما له فيه اختيار ألا ينفذه. أما العبيد فهم من يتمردون على التكليف، فالمؤمنون بالله هم عباده. ولذلك يقول الحق:
قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا...
[الزمر: 53]. ويوضح سبحانه سمات هؤلاء العباد فيقول:
وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما
[الفرقان: 63]. هؤلاء هم العباد الذين تنازلوا عن اختيارهم في الفعل، وقبلوا أن يكونوا مأمورين ومطيعين لله فيما كلف به، وهم في الأمور التي لا اختيار لهم فيها يكونون مثل بقية الكائنات، فكل الخلق والكون عبيد الله، فيما لا اختيار لهم فيه أما المؤمنون به فهم عباد الله. ولكن آية واحدة في القرآن وهي التي تثير بعض الجدل في مثل هذا الموضوع. ساعة يقول الحق سبحانه وتعالى عما يحدث في الآخرة:
أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء...
[الفرقان: 17]. وكأن " عبادي " هنا أطلقت على الضالين، ويقول: نعم لأن الكل في الآخرة عباد إذ لا اختيار لأحد هناك. لكن في الدنيا فالمؤمنون فقط هم العباد، والكافرون عبيد لأنهم متمردون في الاختيارات. ﴿ وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة ﴾ [الأنعام: 61]. ومع مجيء معنى القهر يرسل الحق حفظة، وإذا كان القهر يعني الغلبة والتملك والسيطرة والقدرة، فهو قهار على عباده وأيضا يرسل عليهم حفظة. ويقول في موقع آخر: