والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون
[الفرقان: 68] إلى قوله
إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا
[الفرقان: 70] الآية. فإن هذا الاستثناء راجع لجميع الجمل المتعاطفة قبله عند أبي حنيفة، وغيره.
ولكن أبا حنيفة لم يخالف فيه أصله لأن الجمل الثلاث المذكورة جمعت في الجملة الأخيرة، التي هي
ومن يفعل ذلك يلق أثاما
[الفرقان: 68] لأن الإشارة في قوله: ذلك راجعة إلى الشرك، والقتل والزنى في الجمل المتعاطفة قبله فشملت الجملة الأخيرة معاني الجمل قبلها، فصار رجوع الاستثناء لها وحدها، عند أبي حنيفة، على أصله المقرر: مستلزما لرجوعه للجميع.
وإذا حققت ذلك فاعلم أن داود يحتج لجواز جمع الأختين بملك اليمين أيضا، برجوع الاستثناء في قوله ﴿ أو ما ملكت أيمانهم ﴾ لقوله ﴿ وأن تجمعوا بين الأختين ﴾ فيقول: قوله تعالى: ﴿ وأن تجمعوا بين الأختين ﴾ وقوله:
والمحصنات من النسآء
[النساء: 24] يرجع لكل منهما الاستثناء في قوله: ﴿ أو ما ملكت أيمانهم ﴾ فيكون المعنى: وحرم عليكم أن تجمعوا بين الأختين، إلا ما ملكت أيمانكم فلا يحرم عليكم فيه الجمع بينهما، وحرمت عليكم المحصنات من النساء، إلا ما ملكت أيمانكم، فلا يحرم عليكم.
وقد أوضحنا معنى الاستثناء من المحصنات في محله من هذا الكتاب المبارك، وبهذا تعلم أن احتجاج داود برجوع الاستثناء في قوله ﴿ أو ما ملكت أيمانهم ﴾ إلى قوله: ﴿ وأن تجمعوا بين الأختين ﴾ جار على أصول المالكية والشافعية والحنابلة، فيصعب عليهم التخلص من احتجاج داود هذا.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي أن الجواب عن استدلال داود المذكور من وجهين:
الأول منهما: أن في الآية نفسها قرينة مانعة من رجوع الاستثناء، إلى قوله: ﴿ وأن تجمعوا بين الأختين ﴾ لما قدمنا من أن قوله ﴿ أو ما ملكت أيمانهم ﴾ أي بالسبي خاصة مع الكفر، وأن المعنى والمحصنات من النساء، إلا ما ملكت أيمانكم: أي وحرمت عليكم المتزوجات من النساء، لأن المتزوجة لا تحل لغير زوجها إلا ما ملكت أيمانكم بالسبي مع الكفر فإن السبي يرفع حكم الزوجية عن المسبية، وتحل لسابيها بعد الاستبراء كما قال الفرزدق:
وذات حليل أنكحتها رماحنا
حلال لمن يبنى بها لم تطلق
وإذا كان ملك اليمين في قوله: ﴿ أو ما ملكت أيمانهم ﴾ في السبي خاصة كما هو مذهب الجمهور، كان ذلك مانعا من رجوعه إلى قوله: ﴿ وأن تجمعوا بين الأختين ﴾ لأن محل النزاع في ملك اليمين مطلقا، وقد قدمنا في سورة النساء أن قول من قال: ﴿ أو ما ملكت أيمانهم ﴾ مطلقا، وأن بيع الأمة طلاقها أنه خلاف التحقيق، وأوضحنا الأدلة على ذلك.
الوجه الثاني: هو أن استقراء القرآن يدل على أن الصواب في رجوع الاستثناء لجميع الجمل المتعاطفة قبله أو بعضها، يحتاج إلى دليل منفصل، لأن الدليل قد يدل على رجوعه للجميع أو لبعضها، دون بعض. وربما دل الدليل على عدم رجوعه للأخيرة التي تليه. وإذا كان الاستثناء ربما كان راجعا لغير الجملة الأخيرة التي تليه، تبين أنه لا ينبغي الحكم برجوعه إلى الجميع إلا بعد النظر في الأدلة.
ومعرفة ذلك منها، وهذا القول الذي هو الوقف عن رجوع الاستثناء إلى الجميع إلا بعد النظر في الأدلة. ومعرفة ذلك منها، وهذا القول الذي هو الوقف عن رجوع الاستثناء إلى الجميع أو بعضها المعين، دون بعض، إلا بدليل مروي عن ابن الحاجب من المالكية، والغزالي من الشافعية، والآمدي من الحنابلة، واستقراء القرآن يدل على أن هذا القول هو الأصح، لأن الله يقول
فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول
[النساء: 59] الآية وإذا رددنا هذه المسألة إلى الله، وجدنا القرآن دالا على صحة هذا القول، وبه يندفع أيضا استدلال داود.
فمن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: