تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأخواتكم من الرضاعة

[النساء: 23] وموطوءة الأب لا تحل بملك اليمين إجماعا، للإجماع على أن عموم ﴿ أو ما ملكت أيمانهم ﴾ يخصصه عموم

ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النسآء

[النساء: 22] الآية. والأصح عند الأصوليين في تعارض العام الذي دخله التخصيص، مع العام الذي لم يدخله التخصيص: هو تقديم الذي لم يدخله التخصيص، وهذا هو قول جمهور أهل الأصول، ولم أعلم أحدا خالف فيه، إلا صفي الدين الهندي، والسبكي.

وحجة الجمهور أن العام المخصص، اختلف في كونه حجة في الباقي، بعد التخصيص، والذين قالوا: هو حجة في الباقي. قال جماعة منهم: هو مجاز في الباقي، وما اتفق على أنه حجة، وأنه حقيقة، وهو الذي لم يدخله التخصيص أولى مما اختلف في حجيته، وهل هو حقيقة، أو مجاز، وإن كان الصحيح: أنه حجة في الباقي، وحقيقة فيه، لأن مطلق حصول الخلاف فيه يكفي في ترجيح غيره عليه، وأما حجة صفي الدين الهندي والسبكي، على تقديم الذي دخله التخصيص فهي أن الغالب في العام التخصيص، والحمل على الغالب أولى، وأن ما دخله التخصيص يبعد تخصيصه مرة أخرى، بخلاف الباقي على عمومه.

الوجه الثالث: أن عموم ﴿ وأن تجمعوا بين الأختين ﴾ غير وارد في معرض مدح ولا ذم وعموم ﴿ أو ما ملكت أيمانهم ﴾ وارد في معرض مدح المتقين، والعام الوارد في معرض المدح أو الذم.

اختلف العلماء في اعتبار عمومه، فأكثر العلماء: على أن عمومه معتبر كقوله تعالى:

إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم

[الانفطار: 13-14] فإنه يعم كل بر مع أنه للمدح، وكل فاجر مع أنه للذم قال في مراقي السعود:

وما أتى للمدح أو للذم

يعم عند جل أهل العلم

وخالف في ذلك بعض العلماء منهم: الإمام الشافعي رحمه الله، قائلا: إن العام الوارد في معرض المدح، أو الذم لا عموم له، لأن المقصود منه الحث في المدح والزجر في الذم، ولذا لم يأخذ الإمام الشافعي بعموم قوله تعالى:

والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله

[التوبة: 34] في الحلي المباح، لأن الآية سيقت للذم، فلا تعم عنده الحلي المباح.

وإذا علمت ذلك، فاعلم أن العام الذي لم يقترن بما يمنع اعتبار عمومه أولى من المقترن بما يمنع اعتبار عمومه، عند بعض العلماء.

الوجه الرابع: أنا لو سلمنا المعارضة بين الآيتين، فالأصل في الفروج التحريم، حتى يدل دليل لا معارض له على الإباحة.

الوجه الخامس: أن العموم المقتضي للتحريم أولى من المقتضي للإباحة، لأن ترك مباح أهو من ارتكاب حرام.

فهذه الأوجه الخمسة يرد بها استدلال داود الظاهري، ومن تبعه على إباحته جمع الأختين بملك اليمين، محتجا بقوله: ﴿ أو ما ملكت أيمانهم ﴾ ولكن داود يحتج بآية أخرى يعسر التخلص من الاحتجاج بها، بحسب المقرر في أصول الفقه المالكي والشافعي، وإيضاح ذلك أن المقرر في أصول الأئمة الثلاثة المذكورين أنه إن ورد استثناء بعد جمل متعاطفة، أو مفردات متعاطفة، أن الاستثناء المذكور يرجع لجميعها خلافا لأبي حنيفة القائل يرجع إلى الجملة الأخيرة فقط، قال في مراقي السعود:

وكل ما يكون فيه العطف

من قبل الاستثنا فكلا يقفو

دون دليل العقل أو ذي السمع

....................... الخ

وإذا علمت أن المقرر في أصول الأئمة الثلاثة المذكورين رجوع الاستثناء لكل المتعاطفات، وأنه لو قال الواقف في صيغة وقفه: هو وقف على بني تميم وبني زهرة والفقراء إلا الفاسق منهم، أنه يخرج من الوقف فاسق الجميع لرجوع الاستثناء إلى الجميع، وأن أبا حنيفة وحده هو القائل برجوعه إلى الجملة الأخيرة فقط. ولذلك لم يقبل شهادة القاذف، ولو تاب وأصلح، وصار أعدل أهل زمانه لأن قوله تعالى

ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا

[النور: 4-5] يرجع عنده الاستثناء فيه للأخيرة فقط وهي ﴿ وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا ﴾ أي فقد زال عنهم اسم الفسق، ولا يقبل رجوعه لقوله تعالى ﴿ ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ﴾ إلا الذين تابوا، فاقبلوا شهادتهم بل يقول: لا تقبلوا لهم شهادة أبدا مطلقا بلا استثناء لاختصاص الاستثناء عنده بالجملة الأخيرة، ولم يخالف أبو حنيفة أصوله في قوله

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٤٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٤٤٠