23.15-16
بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنهم بعد أن أنشأهم خلقا آخر، فأخرج الواحد منهم من بطن أمه صغيرا، ثم يكون محتلما، ثم يكون شابا، ثم يكون كهلا، ثم يكون شيخا، ثم هرما أنهم كلهم صائرون إلى الموت من عمر منهم ومن لم يعمر، ثم هم بعد الموت يبعثون أحياء، يوم القيامة للحساب والجزاء، وهذا الموت والحياة المذكوران هنا كل واحد منهما له نظير آخر، لأنهما إماتتان وإحياءتان ذكر من كل منهما واحدة هنا، وذكر الجميع في قوله تعالى:
كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم
[البقرة: 28] وقوله:
قالوا ربنآ أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين
[غافر: 11] كما قدمنا إيضاحه في سورة الحج والبقرة، وكل ذلك دليل على كمال قدرته، ولزوم الإيمان به، واستحقاقه للعبادة وحده سبحانه وتعالى علوا كبيرا.
23.17
في قوله تعالى طرائق، وجهان من التفسير:
أحدهما: أنها قيل لها طرائق، لأن بعضها فوق بعض من قولهم: طارق النعل إذا صيرها طاقا فوق طاق، وركب بعضها على بعض، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم
" كأن وجوههم المجان المطرقة "
أي التراس التي جعلت لها طبقات بعضها فوق بعض، ومنه قول الشاعر يصف نعلا له مطارقة:
وطراق من خلفهن طراق
ساقطات تلوي بها الصحراء
يعني: نعال الإبل، ومنه قولهم: طائر طراق الريش، ومطرقة إذا ركب بعض ريشه بعضا، ومنه قول زهير يصف بازيا:
أهوى لها أسفع الخدين مطرق
ريش القوادم لم تنصب له الشبك
وقول ذي الرمة يصف بازيا أيضا:
طراق الخوافي واقع فوق ريعه
ندى ليله في ريشه يترقرق
وقول الآخر يصف قطاة:
سكاء مخطومة في ريشها طرق
سود قوادمها كدر خوافيها
فعلى هذا القول فقوله ﴿ سبع طرآئق ﴾ يوضح معناه قوله تعالى:
ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا
[نوح: 15] الآية، وهذا قول الأكثر.
الوجه الثاني: أنها قيل لها طرائق، لأنها طرق الملائكة في النزول والعروج، وقيل: لأنها طرائق الكواكب في مسيرها، وأما قول من قال قيل لها طرائق لأن الكل سماء طريقة، وهيأة غير هيأة الأخرى وقول من قال: طرائق؟ أي مبسوطات فكلاهما ظاهر البعد، وقوله تعالى: ﴿ وما كنا عن الخلق غافلين ﴾ قد قدمنا أن معناه كقوله
ويمسك السمآء أن تقع على الأرض
[الحج: 65] لأن من يمسك السماء لو كان يغفل لسقطت فأهلكت الخلق كما تقدم إيضاحه وقال بعضهم ﴿ وما كنا عن الخلق غافلين ﴾ بل نحن القائمون بإصلاح جميع شؤونهم، وتيسير كل ما يحتاجون إليه وقوله ﴿ ولقد خلقنا فوقكم سبع طرآئق ﴾ يعني السموات، مع عظمها فلا شك أنه قادر على خلق الإنسان كقوله تعالى
لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس
[غافر: 57] وقوله تعالى:
أأنتم أشد خلقا أم السمآء بناها
[النازعات: 27] الآية. وقوله:
أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم
[يس: 81] والآيات بمثل هذا متعددة.
وقد قدمنا براهين البعث التي هذا البرهان من جملتها، وأكثرنا من أمثلتها وهي مذكورة هنا، ولم نوضحها هنا لأنا أوضحناها فيما سبق في النحل والبقرة. والعلم عند الله تعالى.