23.93-94
أمر جلا وعلا نبيه في هاتين الآيتين الكريمتين أن يقول: رب إما تريني ما يوعدون: أي أن ترني ما توعدهم من العذاب، بأن تنزله بهم، وأنا حاضر شاهد أرى نزوله بهم ﴿ فلا تجعلني في القوم الظالمين ﴾ أي لا تجعلني في جملة المعذبين الظالمين، بل أخرجني منهم، ونجني من عذابهم، وقد بين تعالى في مواضع أخر: أنه لا ينزل بهم العذاب، وهو فيهم وذلك في قوله تعالى:
وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم
[الأنفال: 33] الآية، وبين هنا أنه قادر على أن يره العذاب، الذي وعدهم به في قوله:
وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون
[المؤمنون: 95] وبين في سورة الزخرف، أنه إن ذهب به قبل تعذيبهم، فإنه معذب لهم ومنتقم منهم لا محالة، وأنه إن عذبهم، وهو حاضر فهو مقتدر عليهم. وذلك في قوله تعالى:
فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون
[الزخرف: 41-42].
23.96-98
هذا الذي تضمنته هذه الآيات الثلاث مما ينبغي أن يعامل به شياطين الإنس وشياطين الجن. قد قدمنا الآيات الدالة عليه بإيضاح في آخر سورة الأعراف، في الكلام على قوله تعالى:
خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين وإما ينزغنك من الشيطان نزغ
[الأعراف: 199-200] الآية. وقوله في هذه الآية: ﴿ بالتي هي أحسن ﴾ أي بالخصلة التي هي أحسن الخصال، والسيئة مفعول ادفع ووزن السيئة، فيعلة أصلها: سيوئة وحروفها الأصلية السين والواو والهمزة، وقد زيدت الياء الساكنة بين الفاء والعين، فوجب إبدال الواو التي هي عين الكلمة ياء وإدغام ياء الفيعلة الزائدة فيها على القاعدة التصريفية المشارك بقول ابن مالك في الخلاصة:
إن يسكن السابق من واو ويا
واتصلا ومن عروض عريا
فياء الواو اقلبن مدغما
وشذ معطى غير ما قد رسما
كما قدمناه مرارا. والسيئة في اللغة: الخصلة من خصال السوء. وقوله تعالى: ﴿ نحن أعلم بما يصفون ﴾ أي بما تصفه ألسنتهم من الكذب في تكذيبهم لك، وادعائهم الأولاد والشركاء لله. وقد قدمنا في سورة المائدة أن اللين والصفح المطلوب في آيات القرآن بعد نزول القتال إنما هو بالنسبة إلى المؤمنين، دون الكافرين في الكلام على قوله تعالى:
أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين
[المائدة: 54] وبينا الآيات الدالة على ذلك كقوله في النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه
أشدآء على الكفار رحمآء بينهم
[الفتح: 29] وقوله:
واخفض جناحك للمؤمنين
[الحجر: 88] وقوله:
يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم
[التحريم: 9] إلى آخر ما تقدم. وقوله في هذه الآية: ﴿ وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين ﴾ الهمزات: جمع همزة وهي المرة من فعل الهمز، وهو في اللغة: النخس والدفع، وهمزات الشياطين: نخساتهم لبني آدم ليحثوهم، ويحضوهم على المعاصي، كما أوضحنا الكلام عليه في قوله تعالى:
أنآ أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا
[مريم: 83] وكقوله تعالى:
ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين وإنهم ليصدونهم عن السبيل
[الزخرف: 36-37] الآية.
والظاهر في قوله: ﴿ وأعوذ بك رب أن يحضرون ﴾ أن المعنى: أعوذ بك أن يحضرني الشيطان في أمر من أموري كائنا ما كان، سواء كان ذلك وقت تلاوة القرآن، كما قال تعالى:
فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم
[النحل: 98] أو عند حضور الموت أو غير ذلك من جميع الشؤون في جميع الأوقات. والعلم عند الله تعالى.