تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

23.83

ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أن الكفار المنكرين للبعث قالوا: إنهم وعدوا بالبعث، ووعد به آباؤهم من قبلهم. والظاهر أنهم يعنون أجدادهم، الذين جاءتهم الرسل، وأخبرتهم بأنهم يبعثون بعد الموت للحساب والجزاء، وقالوا: إن البعث الذي وعدوا به هم وآباؤهم كذب لا حقيقة له، وأنه ما هو إلا أساطير الأولين: أي ما سطروه وكتبوه من الأباطيل والترهات، والأساطير: جمع أسطورة، وقيل: جمع أسطارة. وهذا الذي ذكره عنهم من إنكارهم البعث ذكر مثله في سورة النمل في قوله:

وقال الذين كفروا أإذا كنا ترابا وآبآؤنآ أإنا لمخرجون لقد وعدنا هذا نحن وآبآؤنا من قبل إن هذآ إلا أساطير الأولين

[النمل: 67-68] ثم إنه تعالى أقام البرهان على البعث، الذي أنكروه في هذه الآية بقوله:

قل لمن الأرض ومن فيهآ إن كنتم تعلمون

[المؤمنون: 84] إلى قوله:

فأنى تسحرون

[المؤمنون: 89] لأن من له الأرض ومن فيها، ومن هو رب السموات السبع، ورب العرش العظيم، ومن بيده ملكوت كل شيء، وهو يجير ولا يجار عليه، لا شك أنه قادر على بعث الناس بعد الموت، كما أوضحنا فيما مر البراهين القرآنية القطعية، الدالة على ذلك.

23.84-89

قدمنا ما دلت عليه هذه الآيات الكريمة، من كماله وجلاله وأوصاف ربوبيته المستلزمة لإخلاص العبادة له وحده، في سورة يونس في الكلام على قوله تعالى:

قل من يرزقكم من السمآء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون

[يونس: 31] وفي سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله:

إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم

[الإسراء: 9] وأوضحنا دلالة توحيده في ربوبيته، على توحيده في عبادته وقد ذكرنا كثيرا من الآيات القرآنية الدالة على ذلك، مع الإيضاح، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.

وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿ من بيده ملكوت كل شيء ﴾ الملكوت: فعلوت من الملك: أي من بيده ملك كل شيء، بمعنى: من هو مالك كل شيء كائنا ما كان: وقال بعض أهل العلم: زيادة الواو والتاء في نحو: الملكوت، والرحموت، والرهبوت بمعنى الملك والرحمة، والرهبة: تفيد المبالغة في ذلك. والله تعالى أعلم.

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ وهو يجير ولا يجار عليه ﴾ أي هو يمنع من شاء ممن شاء، ولا يمنع أحد منه أحدا شاء أن يهلكه أو يعذبه، لأنه هو القادر وحده، على كل شيء، وهو القاهر فوق عباده، وهو الحكيم الخبير. ومنه قول الشاعر.

أراك طفقت تظلم من أجرنا

وظلم الجار إذلال المجير

وقوله تعالى: ﴿ فأنى تسحرون ﴾ أي كيف تخدعون، وتصرفون عن توحيد ربكم، وطاعته مع ظهور براهينه القاطعة وأدلته الساطعة، وقيل: ﴿ فأنى تسحرون ﴾ أي كيف يخيل إليكم، أن تشركوا به ما لا يضر، ولا ينفع، ولا يغني عنكم شيئا بناء على أن السحر هو التخييل.

وقد قدمنا الكلام على السحر مستوفى في سورة طه في الكلام على قوله تعالى:

ولا يفلح الساحر حيث أتى

[طه: 69] والظاهر أن معنى تسحرون هنا: تخدعون بالشبه الباطلة فيذهب بعقولكم، عن الحق كما يفعل بالمسحور. والله تعالى أعلم.

وقوله: ﴿ أفلا تذكرون ﴾ قرأه حفص عن عاصم، وحمزة، والكسائي بتخفيف الذال بحذف إحدى التاءين، والباقون بالتشديد لإدغام التاءين في الذال.

وقوله تعالى: ﴿ سيقولون لله ﴾ جاء في هذه الآيات ثلاث مرات.

الأول: ﴿ سيقولون لله قل أفلا تذكرون ﴾. وهذه اتفق جميع السبعة على قراءتها بلام الجر الداخلة على لفظ الجلالة، لأنها جواب المجرور بلام الجر، وقوله تعالى: ﴿ قل لمن الأرض ومن فيهآ ﴾ فجواب لمن الأرض، هو أن تقول: لله، وأما الثاني الذي هو ﴿ سيقولون لله قل أفلا تتقون ﴾ والثالث: الذي هو قوله ﴿ سيقولون لله قل فأنى تسحرون ﴾ فقد قرأهما أبو عمرو بحذف لام الجر ورفع الهاء من لفظ الجلالة.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٤٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٤٧١