23.12-14
بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أطوار خلقه الإنسان ونقله له، من حال إلى حال، ليدل خلقه بذلك على كمال قدرته واستحقاقه للعبادة وحده جل وعلا. وقد أوضحنا في أول سورة الحج معنى النطفة، والعلقة، والمضغة، وبينا أقوال أهل العلم في المخلقة، وغير المخلقة. والصحيح من ذلك وأوضحنا أحكام الحمل إذا سقط علقة أو مضغة هل تنقضي به عدة الحامل أو لا؟ وهل تكون الأمة به أم ولد إن كان من سيدها أو لا؟ إلى غير ذلك من أحكام الحمل الساقط، ومتى يرث، ويورث، ومتى يصل عليه، وأقوال أهل العلم في ذلك في الكلام على قوله تعالى:
يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب
[الحج: 5] الآيات. وسنذكر هنا ما لم نبينه هنالك مع ذكر الآيات التي لها تعلق بهذا المعنى. أما معنى السلالة: فهي فعالة من سللت الشيء من الشيء، إذا استخرجته منه، ومنه قول أمية بن أبي الصلت:
خلق البرية من سلالة منتن
وإلى السلالة كلها ستعود
والولد سلالة أبيه كأنه انسل من ظهر أبيه.
ومنه قول حسان رضي الله عنه:
فجاءت به عضب الأديم غضنفرا
سلالة فرج كان غير حصين
وبناء الاسم على الفعالة، يدل على القلة كقلامة الظفر، ونحاتة الشيء المنحوت، وهي ما يتساقط منه عند النحت، والمراد بخلق الإنسان من سلالة الطين: خلق أبيهم آدم منه، كما قال تعالى:
إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب
[آل عمران: 59].
وقد أوضحنا فيما مضى أطوار ذلك التراب، وأنه لما بل بالماء صار طينا ولما خمر صار طينا لازبا يلصق باليد، وصار حمأ مسنونا. قال بعضهم: طينا أسود منتنا، وقال بعضهم: المسنون: المصور، كما تقدم إيضاحه في سورة الحجر، ثم لما خلقه من طين خلق منه زوجه حواء، كما قال في أول النساء
يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها
[النساء: 1] وقال في الأعراف
وجعل منها زوجها
[الأعراف: 189] وقال في الزمر:
ثم جعل منها زوجها
[الزمر: 6] كما تقدم إيضاح ذلك كله، ثم لما خلق الرجل والمرأة، كان وجود جنس الإنسان منهما عن طريق التناسل، فأول أطواره: النطفة، ثم العلقة. الخ.
وقد بينا أغلب ذلك في أول سورة الحج، وقوله هنا: ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ﴾ يعني: بدأه خلق نوع الإنسان بخلق آدم، وقوله ﴿ ثم جعلناه نطفة ﴾ [المؤمنون: 13] أي بعد خلق آدم وحواء، فالضمير في قوله: ثم جعلناه لنوع الإنسان، الذي هو النسل لدلالة المقام عليه، كقولهم: عندي درهم ونصفه: أي ونصف درهم آخر. كما أوضح تعالى هذا المعنى في سورة السجدة في قوله تعالى
ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من مآء مهين ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون
[السجدة: 6-9] وأشار إلى ذلك بقوله تعالى:
ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذآ أنتم بشر تنتشرون
[الروم: 20] وما ذكره هنا من أطوار خلقه الإنسان، أمر كل مكلف أن ينظر فيه. والأمر المطلق، يقتضي الوجوب إلا لدليل صارف عنه، كما أوضحناه مرارا. وذلك في قوله:
فلينظر الإنسان مم خلق خلق من مآء دافق
[الطارق: 5-6] الآية. وقد أشار في آيات كثيرة، إلى كمال قدرته بنقله الإنسان في خلقه من طور إلى طور، كما أوضحه هنا وكما في قوله تعالى:
ما لكم لا ترجون لله وقارا وقد خلقكم أطوارا
[نوح: 13-14] وبين أن انصراف خلقه عن التفكر في هذا والاعتبار به مما يستوجب التساؤل والعجب، وأن من غرائب صنعه وعجائب قدرته نقله الإنسان من النطفة، إلى العلقة، ومن العلقة إلى المضغة الخ. مع أنه لم يشق بطن أمه بل هو مستتر بثلاث ظلمات: وهي ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة المنطوية على الجنين، وذلك في قوله جل وعلا: