11.37
﴿ واصنع الفلك ﴾ أي: للتخلص من عذابهم ﴿ بأعيننا ﴾ أي بحفظنا وكلاءتنا، كأن معه من الله عز وجل حفاظا وحراسا، يكلأونه بأعينهم من التعدي من الكفرة، ومن الزيغ في الصنعة ﴿ ووحينا ﴾ أي: إليك، كيف تصنعها. وتعليمنا وإلهامنا. قيل: لم يكن قبله سفينة ﴿ ولا تخاطبني في الذين ظلموا ﴾ أي: ولا تدعني، في استدفاع العذاب عنهم، بشفاعتك ﴿ إنهم مغرقون ﴾ أي محكوم عليهم بالطوفان، وقد وجب ذلك، فلا سبيل إلى كفه، كقوله تعالى:
يإبرهيم أعرض عن هذآ إنه قد جآء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود
[هود: 76].
11.38
﴿ ويصنع الفلك ﴾ حكاية حال ماضية، لاستحضار صورتها العجيبة. وقيل: تقديره وأخذ يصنع الفلك، ﴿ وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه ﴾ أي: هزئوا به، بمعالجة السفينة ﴿ قال إن تسخروا منا ﴾ أي: في صنع الفلك ﴿ فإنا نسخر منكم ﴾ أي: لجهلكم ﴿ كما تسخرون ﴾.
11.39
﴿ فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ﴾ أي في الدنيا فيجعله محلا للسخرية ﴿ ويحل عليه عذاب مقيم ﴾ أي: في الآخرة، يدوم معه الخزي.
11.40
﴿ حتى إذا جآء أمرنا ﴾ أي: بإهلاك قومه. و ﴿ حتى ﴾ غاية لقوله ﴿ ويصنع ﴾ وما بينهما حال من الضمير فيه، و ﴿ سخروا منه ﴾ جواب ﴿ كلما ﴾. ﴿ وفار التنور ﴾ أي: وجه الأرض أو كل مفجر ماء، أو محفل ماء الوادي، أو عين ماء معروفة، أو الكانون الذي يخبز فيه، أو تنوير الفجر - أقوال حكاها اللغويون والمفسرون - زاد بعضهم احتمال أن يكون هذا كناية عن اشتداد الأمر، كما يقال (حمي الوطيس) والوطيس التنور، وهو من فصيح الكلام وبليغه. وعندي أنه أظهر الأوجه المذكورة وأرقها وأبدعها وأبلغها، وإن حاول الرازي رده، كأنه قيل: واشتد الأمر، وقوي انهمار الماء ونبوعه. وهذا الإيجاز في مجازه الرهيب، قد بينته آيات أخر، وهي:
ففتحنآ أبواب السمآء بماء منهمر * وفجرنا الأرض عيونا فالتقى المآء على أمر قد قدر
الآيات [القمر: 11-12] - ومما يؤيده شموله لشدة الأمر من السماء والأرض، فيطابق هذه الآيات. وأما غيره فقاصر على ناحية الأرض فقط. وجلي أن الأمر كان أعم - والله أعلم.
﴿ قلنا احمل فيها ﴾ أي: في السفينة ﴿ من كل زوجين ﴾ أي صنفين من البهائم والطيور وما يدب على وجه الأرض ﴿ اثنين ﴾ أي: ذكرا وأنثى.
قال أبو البقاء: يقرأ (كل) بالإضافة، وفيه وجهان: أحدهما: أن مفعول (احمل ) (اثنين ) و (من) حال. والثاني: أن (من) زائدة، والمفعول (كل) و (اثنين ) توكيد. ويقرأ (من) ﴿ كل ﴾ بالتنوين، ف ﴿ زوجين ﴾ مفعول ﴿ احمل ﴾ ، و ﴿ اثنين ﴾ توكيد له، و ﴿ من ﴾ متعلقة ب ﴿ احمل ﴾ أو حال. انتهى.
﴿ وأهلك ﴾ أي: من يتصل بك في دينك وسيرتك من أقاربك، ﴿ إلا من سبق عليه ﴾ أي: وجب عليه ﴿ القول ﴾ أي: بالإغراق بسبب ظلمه، ﴿ ومن آمن ﴾ أي: احمله معك فيها.
قال أبو السعود: وإفراد الأهل منهم للاستثناء المذكور، وإيثار صيغة الإفراد في ﴿ آمن ﴾ محافظة على لفظ (من) للإيذان بقلتهم، كما أعرب عنه قوله، عزذ قائلا: ﴿ ومآ آمن معه إلا قليل ﴾.