مأخذ القبول قول القاضي عياض:
انظر إلى الزرع وخاماته ... تحكي وقد ولت أمام الرياح
كتيبة خضراء مهزومة ... شقائق النعمان وفيها جراح
فالشاعر التفت إلى ما في حافظته من الصور المناسبة لهيئة زرع أخضر
يتخلله شقائق النعمان، وقد أخذت الرياح تهب عليه من جانب، فيميل إلى آخر
ميلا يتراءى للعين أنه حركة ينتقل بها من مكانه، فوقع خياله على الجيش
والملابس الخضراء والجراحات التي تنال الجيش المقاتل، فألف بينها، ثم جعل
سيره إدبارا وانهزاما ليوافق حالة جيش ظهرت فيه الجرحى بمقدار ما في المزارع
الخضراء من شقائق النعمان.
ومثال ما لا يثق به النظر، ولا يدخل في حساب الأقوال القائمة على التحقيق
قول الشاعر:
ترى الثياب من الكتان يلمحها ... نور من البدر أحيانا فيبليها
فكيف تنكر أن تبلى معاجرها ... والبدر في كل وقت طالع فيها
أبصر معاجر من يتحدث عنها وقد أخلقت فحاول أن يلتمس وجها يجعل ذلك
الإخلاق من شواهد حسنها، أو يسد فم العاذل حتى لا يغض من شأنها، فتصور
طلعة القمر وانساق إليه ما يدور بين الناس من أن الثياب التي يمج عليها القمر
أشعته يسرع إليها البلى، ثم ادعى مبالغا في التشبيه أن وجهها قمر، وبنى على هذا
أن تعجب ممن ينكر تأثيره في معجرها بالإخلاق، ففي هذا التصرف ادعاء أن
وجهها قمر، وهذا مما يألفه العقل؛ لأنه بمنزلة التشبيه، ولا مفر من قبوله متى
تحقق الوجه الجامع بين طرفيه، والمعنى الذي للعقل أن يلتفت عنه إنما هو دعوى
أن معجرها أخلق بعلة كونه مطلعا لوجهها المسمى بالقمر على وجه المجاز.
***
ماذا نريد من التخييل
يفهم من صريح المقالة الفلسفية أن المفكرة والمخيلة اسمان لقوة واحدة، وهي
التي تتصرف في المعلومات بالتفصيل والتركيب، وإنما تغير اسمها بحسب اختلاف
الحال، فعندما يكون زمامها بيد العقل يسمونها مفكرة، وعندما تنفلت منه يسمونها
مخيلة.
وإذا عرفت أن التمثيل والاستعارة من عمل هذه القوة باتفاق علماء النفس،
فلو جرى طائفة من الناس على إطلاق التخيل أو الخيال عندما تتصرف هذه القوة
تصرفا تصوغ به معنى مبتدعا سواء أنس به العقل أو تجافى عنه لم يكونوا صنعوا
شيئا سوى تغيير الاصطلاح وإدخال القسمين تحت اسم واحد.
وإطلاق لفظ التخيل أو الخيال في صدد الحديث على المعاني الصادقة
والتصورات المعقولة لا يحط من قيمتها أو يمس حرمتها بنقيصة، فإن علماء
البلاغة أنفسهم قد أطلقوه على ما يأتي به البليغ في الاستعارة المكنية من الأمور
الخاصة بالمشبه به ويثبته للمشبه، فقالوا: الأظفار أو إضافتها في قولك: (أنشبت
المنية أظفارها) ، تخييل أو استعارة تخييلية، وأطلقوه في الفصل والوصل حين
تكلموا على الجامع بين الجملتين، وقسموه إلى: عقلي، ووهمي، وخيالي، وأطلقوه
في فن البديع على تصوير ما سيظهر في العيان بصورة المشاهد، ولم يبالوا في جميع
ذلك أن يضربوا لها أمثلة من الكتاب العزيز وغيره من الأقوال الصادقة.
فيسوغ لنا حينئذ أن نساير أدباء العصر، ونتوسع في معنى الخيال والتخييل،
ولا نقف عند اصطلاح القدماء من الفلاسفة أو علماء البلاغة، حيث خصوا بها ما لا
يصادق عليه العقل والمخالفة في الاصطلاح، ما دامت الحقائق قائمة والمقاصد ثابتة
بحالها لا يبعد عن تبديل العبارة وتغيير الأسلوب.
يقول الناس عندما يسمعون بيتا أو أبياتا لأحد الشعراء: هذا خيال واسع. أو:
هذا تخيل بديع. فيفهم السامع لهذه الكلمات وما يماثلها أن لصاحب هذا الشعر قدرة
على سبك المعاني وصوغها في شكل بديع، ولو قالوا: (ما أضيق هذا الخيال أو
ما أسخف هذا التخيل) فيفهم السامع أن الشاعر لديه قدرة على إخراج المعاني في
صورة مبتكرة.
فيصح لنا أن نأخذ هذا المعنى الذي يحضر في الذهن عند سماع تلك الجمل
ونشرح به معنى المتخيلة، فنقول: هي قوة تتصرف في المعاني لتنتزع منها صورا