المنافقين والمؤلفة قلوبهم من ضعفاء المسلمين الذين قبلوا أحكام الإسلام، والخوارج،
والمبتدعة المتأولين، مثال ذلك أننا لا نعتد بإسلام أحد يكذب القرآن، أو يستحل
مخالفته، وإنما نعذر من يفهم بعض آياته فهما مخالفا لفهم السلف مع التسليم
والإذعان النفسي لكل ما فيه ولو بحسب فهمه، ولا نعتد بإسلام من يكذب الرسول
أو يستحل مخالفته فيما يعتقد هو أنه جاء به من دين الله، ولكننا نعذر من لم يصدق
رواية بعض الأحاديث لشبهة عنده في المتن أو السند، فكذب مضمونها أو خالفه
لذلك، وإن صح عندنا، ونرد عليه بالتي هي أحسن، فقد أمرنا بدرء الحدود
بالشبهات، وأولى الحدود أن يدرأ حد الردة والخروج من الملة.
بم يكون الارتداد عن الإسلام:
4- إنما جعل العلماء المتقدمون مدار الارتداد عن الإسلام على جحد المجتمع
عليه المعلوم بالضرورة من أمر الدين؛ لأن الجهل عذر عندهم والمدار في صحة
الإسلام الإذعان النفسي والعملي لأحكامه، وهو فرع العلم بها، ولذلك صرحوا بأن
من نشأ في شاهق جبل أو كان حديث عهد بالإسلام يعذر حتى بجحده المعلوم من
الدين بالضرورة عند جمهور المسلمين؛ لأنه ليس معلوما عنده ولم يصدقوا الناشئ
بين المسلمين، أو من طال عهد اختلاطه بهم بعد الإسلام إذا جحد شيئا وادعى
الجهل ليتنصل من الحد مثلا , وقد بينا في المقدمات أن معاشرة المسلمين في أكثر
البلاد الإسلامية في هذه الأزمنة لا تقتضي معرفة حقيقة الإسلام في عقائده وعباداته
الخالية من البدع وسائر أحكام الحلال والحرام، وإنما يعلم إسلام المرء بإذعانه
وخضوعه لما علم أنه من الإسلام، ومن كان هكذا فعلاج ما يجهله تعليمه وإقامة
الحجة عليه، وقد جربنا هذا العلاج فشفي به كثيرون من أدواء الشرك والابتداع
والشكوك والأوهام، فالسليم الفطرة ذو الجهل البسيط يشفى بسرعة عجيبة، وإنما
يعسر شفاء أصحاب الجهل المركب الذين أخذوا شيئا من قشور الكلام والفقه
وتأويلات أدعياء الفقه والتصوف، فهم يردون بها الآيات الصريحة والأحاديث
الصحيحة وسيرة السلف الصالح (ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) ، وهذا
هو البلاء المبين الذي أضاع الإسلام، ولا علاج له إلا بناء التعليم الإسلامي في
مدارسه وغيرها على التفسير والحديث وسيرة السلف الصالح وتلقين كل مسلم ما
تقدم تقريره في ذلك.
معاملة المبتدعة والمنافقين والفاسقين:
5- إننا على كوننا لا نكفر أحدا من أهل القبلة فيما يأتيه جاهلا أو متأولا
نحتاط لديننا، فيمن نعلم بالاختبار الشخصي أنهم على شيء من الشرك الجلي أو
النفاق من غير أن نفرق الجماعة، أو نحدث الفتن بين المسلمين، فقد كان النبي -
صلى الله عليه وسلم - وبعض الصحابة كحذيفة بن اليمان يعرفون بعض المنافقين
بأعيانهم، ولا يجابهونهم بذلك، ولا يخبرون الناس به رجاء أن يصلحوا ويوقنوا
بطول معاشرة المسلمين، وكان علماء الصحابة والتابعين يصلون مقتدين بأئمة
الجور من بني أمية وعمالهم، والأسوة الكبرى في هذا الباب سيرة علي - كرم الله
وجهه في الخوارج ومعاوية وأنصاره، وإنني على هذا لا أصلي مقتديا بمن أعلم
باختباري الشخصي أنه مشرك أو كافر بغير الشرك، وإن كان يظهر الإسلام ولا
أعطيه شيئا من الزكاة الواجبة إلا إذا كان من المؤلفة قلوبهم، فهذا ما عندي من
الجواب عن سؤال الموحدين في دمياط كثرهم الله تعالى وبارك فيهم.
وإنني أتبع هذا ببيان سيرة السلف الصالح فيما ذكر من أمر الابتداع
والاختلاف في الدين وأهله من أصحاب الأهواء وغيرهم، ثم أقفي عليها بما
أراه نافعا في الاقتداء بهم، عسى أن يهتدي به الغلاة في الدين والمفرطون فيه،
والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
-----------------
<span class="footnote">
(1) وفي رواية: (ولو عبدا حبشيا) وهذا في الأمراء والحكام الذين يوليهم الإمام الأعظم، فلا ينافي أحاديث حصر الأئمة في قريش كما نقله الحافظ ابن رجب وغيره في شرح الحديث، وأيدوه بحديث علي عند الحاكم والدارقطني مرفوعا وموقوفا: (وإن أمرت قريش فيكم عبدا حبشيا فاسمعوا له وأطيعوا) وذهب بعض العلماء أنه إنما ذكر العبد الحبشي على طريق ضرب المثل وإن لم يصح وقوعه كما قال في حديث الترغيب في بناء المساجد: (من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة) رواه أحمد عن ابن عباس بسند صحيح، ويستحيل أن يكون المسجد كمفحص القطاة وهو المكان الذي تفحص برجلها وتبيض فيه، والأمة مجمعة على أن العبد؛ أي: المملوك - كما هو المتبادر هنا - لا يجوز أن يكون الإمام الأعظم صاحب الولاية العامة على المسلمين، وأن يلي ما دون ذلك من ولاية الأمر، وقال بعضهم: إن في هذا الحديث وما معناه إشارة إلى ما كان في الأمة بعده من ولاية العبيد والمماليك.</span></span>