تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

16.3

﴿ خلق السموات والأرض بالحق ﴾ أوجدهما على مقدار وشكل وأوضاع وصفات مختلفة قدرها وخصصها بحكمته. ﴿ تعلى عما يشركون ﴾ منهما أو مما يفتقر في وجوده أو بقائه إليهما ومما لا يقدر على خلقهما. وفيه دليل على أنه تعالى ليس من قبيل الأجرام.

16.4-16

﴿ خلق الإنسن من نطفة ﴾ جماد لا حس بها ولا حراك سيالة لا تحفظ الوضع والشكل. ﴿ فإذا هو خصيم ﴾ منطيق مجادل. ﴿ مبين ﴾ للحجة أو خصيم مكافح لخالقه قائل:

من يحيى العظم وهي رميم

[يس: 78] روي أن أبي بن خلف أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم رميم وقال: يا محمد أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رم. فنزلت.

﴿ والأنعم ﴾ الإبل والبقر والغنم وانتصابها بمضمر يفسره. ﴿ خلقها لكم ﴾ أو بالعطف على الإنسان، وخلقها لكم بيان ما خلقت لأجله وما بعده تفصيل له. ﴿ فيها دفء ﴾ ما يدفأ به فيقي البرد. ﴿ ومنفع ﴾ نسلها ودرها وظهورها، وإنما عبر عنها بالمنافع ليتناول عوضها. ﴿ ومنها تأكلون ﴾ أي تأكلون ما يؤكل منها من اللحوم والشحوم والألبان، وتقديم الظرف للمحافظة على رؤوس الآي، أو لأن الأكل منها هو المعتاد المعتمد عليه في المعاش، وأما الأكل من سائر الحيوانات المأكولة فعلى سبيل التداوي أو التفكه.

﴿ ولكم فيها جمال ﴾ زينة. ﴿ حين تريحون ﴾ تردونها من مراعيها إلى مراحها بالعشي. ﴿ وحين تسرحون ﴾ تخرجونها بالغداة إلى المراعي فإن الأفنية تتزين بها في الوقتين ويجل أهلها في أعين الناظرين إليها، وتقديم الاراحة لأن الجمال فيها أظهر فإنها تقبل ملأى البطون حافلة الضروع، ثم تأوي إلى الحظائر حاضرة لأهلها. وقرىء «حينا» على أن ﴿ تريحون ﴾ ﴿ وتسرحون ﴾ وصفان له بمعنى ﴿ تريحون ﴾ فيه ﴿ وتسرحون ﴾ فيه.

﴿ وتحمل أثقالكم ﴾ أحمالكم. ﴿ إلى بلد لم تكونوا بلغيه ﴾ أي إن لم تكن الأنعام ولم تخلق فضلا أن تحملوها على ظهوركم إليه. ﴿ إلا بشق الأنفس ﴾ إلا بكلفة ومشقة. وقرىء بالفتح وهو لغة فيه. وقيل المفتوح مصدر شق الأمر عليه وأصله الصدع والمكسور بمعنى النصف، كأنه ذهب نصف قوته بالتعب. ﴿ إن ربكم لرؤوف رحيم ﴾ حيث رحمكم بخلقها لانتفاعكم وتيسير الأمر عليكم.

﴿ والخيل والبغال والحمير ﴾ عطف على ﴿ الأنعم ﴾. ﴿ لتركبوها وزينة ﴾ أي لتركبوها وتتزينوا بها زينة. وقيل هي معطوفة على محل ﴿ لتركبوها ﴾ وتغيير النظم لأن الزينة بفعل الخالق والركوب ليس بفعله، ولأن المقصود من خلقها الركوب وأما التزين بها فحاصل بالعرض. وقرىء بغير واو وعلى هذا يحتمل أن يكون علة ﴿ لتركبوها ﴾ أو مصدرا في موضع الحال من أحد الضميرين أي: متزينين أو متزينا بها، واستدل به على حرمة لحومها ولا دليل فيه إذ لا يلزم من تعليل الفعل بما يقصد منه غالبا أن لا يقصد منه غيره أصلا، ويدل عليه أن الآية مكية وعامة المفسرين والمحدثين على أن الحمر الأهلية حرمت عام خيبر. ﴿ ويخلق ما لا تعلمون ﴾ لما فصل الحيوانات التي يحتاج إليها غالبا احتياجا ضروريا أو غير ضروري أجمل غيرها، ويجوز أن يكون إخبارا بأن له من الخلائق ما لا علم لنا به، وأن يراد به ما خلق في الجنة والنار مما لم يخطر على قلب بشر.

﴿ وعلى الله قصد السبيل ﴾ بيان مستقيم الطريق الموصل إلى الحق، أو إقامة السبيل وتعديلها رحمة وفضلا، أو عليه قصد السبيل يصل إليه من يسلكه لا محالة يقال سبيل قصد وقاصد أي مستقيم، كأنه يقصد الوجه الذي يقصده السالك لا يميل عنه، والمراد من ﴿ السبيل ﴾ الجنس ولذلك أضاف إليه ال ﴿ قصد ﴾ وقال: ﴿ ومنها جائر ﴾ حائد عن القصد أو عن الله، وتغيير الأسلوب لأنه ليس بحق على الله تعالى أن يبين طرق الضلالة، أو لأن المقصود بيان سبيله وتقسيم السبيل إلى القصد والجائر إنما جاء بالعرض. وقرىء و «منكم جائر» أي عن القصد. ﴿ ولو شاء ﴾ الله. ﴿ لهداكم أجمعين ﴾ أي ولو شاء هدايتكم أجمعين لهداكم إلى قصد السبيل هداية مستلزمة للاهتداء.

انوار التنزيل واسرار التأويل · الصفحة ٦٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

انوار التنزيل واسرار التأويلص ٦٧٩