16.113
﴿ ولقد جاءهم رسول منهم ﴾ يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، والضمير لأهل مكة عاد إلى ذكرهم بعد ما ذكر مثلهم. ﴿ فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظلمون ﴾ أي حال التباسهم بالظلم والعذاب ما أصابهم من الجدب الشديد، أو وقعة بدر.
16.114-120
﴿ فكلوا مما رزقكم الله حللا طيبا ﴾ أمرهم بأكل ما أحل الله لهم وشكر ما أنعم عليهم بعدما زجرهم عن الكفر وهددهم عليه بما ذكر من التمثيل والعذاب الذي حل بهم، صدا لهم عن صنيع الجاهلية ومذاهبها الفاسدة. ﴿ واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون ﴾ تطيعون، أو إن صح زعمكم أنكم تقصدون بعبادة الآلهة عبادته.
﴿ إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ومآ أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم ﴾ لما أمرهم بتناول ما أحل لهم عدد عليهم محرماته ليعلم أن ما عداها حل لهم، ثم أكد ذلك بالنهي عن التحريم والتحليل بأهوائهم فقال:
﴿ ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلل وهذا حرام ﴾ كما قالوا
ما في بطون هذه الأنعم خالصة لذكورنا
[الأنعام: 139] الآية، ومقتضى سياق الكلام وتصدير الجملة بإنما حصر المحرمات في الأجناس الأربعة إلا ما ضم إليه دليل: كالسباع والحمر الأهلية، وانتصاب ﴿ الكذب ﴾ ب ﴿ لا تقولوا ﴾ و ﴿ هذا حلل وهذا حرام ﴾ بدل منه أو متعلق بتصف على إرادة القول أي: ولا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم فتقولوا هذا حلال وهذا حرام، أو مفعول ﴿ لا تقولوا ﴾ ، و ﴿ الكذب ﴾ منتصب ب ﴿ تصف ﴾ وما مصدرية أي ولا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب أي: لا تحرموا ولا تحللوا بمجرد قول تنطق به ألسنتكم من غير دليل، ووصف ألسنتهم الكذب مبالغة في وصف كلامهم بالكذب كأن حقيقة الكذب كانت مجهولة وألسنتكم تصفها وتعرفها بكلامهم هذا، ولذلك عد من تصحيح الكلام كقولهم: وجهها يصف الجمال وعينها تصف السحر. وقرىء ﴿ الكذب ﴾ بالجر بدلا من «ما»، و ﴿ الكذب ﴾ جمع كذوب أو كذاب بالرفع صفة للألسنة وبالنصب على الذم أو بمعنى الكلم الكواذب. ﴿ لتفتروا على الله الكذب ﴾ تعليل لا يتضمن الغرض. ﴿ إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون ﴾ لما كان المفتري يفتري لتحصيل مطلوب نفي عنهم الفلاح وبينه بقوله:
﴿ متع قليل ﴾ أي ما يفترون لأجله أو ما هم فيه منفعة قليلة تنقطع عن قريب. ﴿ ولهم عذاب أليم ﴾ في الآخرة.
﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك ﴾ أي في سورة «الأنعام» في قوله:
وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر
[الأنعام: 146] ﴿ من قبل ﴾ متعلق ب ﴿ قصصنا ﴾ أو ب ﴿ حرمنا ﴾. ﴿ وما ظلمنهم ﴾ بالتحريم. ﴿ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ حيث فعلوا ما عوقبوا به عليه، وفيه تنبيه على الفرق بينهم وبين غيرهم في التحريم وأنه كما يكون للمضرة يكون للعقوبة.
﴿ ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهلة ﴾ بسببها أو ملتبسين بها ليعم الجهل بالله وبعقابه وعدم التدبر في العواقب لغلبة الشهوة، والسوء يعم الافتراء على الله وغيره.
﴿ ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها ﴾ من بعد التوبة. ﴿ لغفور ﴾ لذلك السوء. ﴿ رحيم ﴾ يثيب على الإنابة.
﴿ إن إبرهيم كان أمة ﴾ لكماله واستجماعه فضائل لا تكاد توجد إلا مفرقة في أشخاص كثيرة كقوله:
ليس من الله بمستنكر
أن يجمع العالم في واحد
وهو رئيس الموحدين وقدوة المحققين الذي جادل فرق المشركين، وأبطل مذاهبهم الزائغة بالحجج الدامغة، ولذلك عقب ذكره بتزييف مذاهب المشركين من الشرك والطعن في النبوة وتحريم ما أحله، أو لأنه كان وحده مؤمنا وكان سائر الناس كفارا. وقيل هي فعلة بمعنى مفعول كالرحلة والنخبة من أمه إذا قصده، أو اقتدى به فإن الناس كانوا يؤمونه للاستفادة ويقتدون بسيرته كقوله:
إني جعلك للناس إماما