تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿ هو الذي أنزل من السماء ﴾ من السحاب أو من جانب السماء. ﴿ مآء لكم منه شراب ﴾ ما تشربونه، ﴿ ولكم ﴾ صلة ﴿ أنزل ﴾ أو خبر ﴿ شراب ﴾ و ﴿ من ﴾ تبعيضية متعلقة به، وتقديمها يوهم حصر المشروب فيه ولا بأس به لأن مياه العيون والآبار منه لقوله:

فسلكه ينابيع

[الزمر: 21] وقوله:

فأسكناه في الأرض

[المؤمنون: 18] ﴿ ومنه شجر ﴾ ومنه يكون شجر يعني الشجر الذي ترعاه المواشي. وقيل كل ما نبت على الأرض شجر قال:

يعلفها اللحم إذا عز الشجر

والخيل في إطعامها اللحم ضرر

﴿ فيه تسيمون ﴾ ترعون، من سامت الماشية وأسامها صاحبها، وأصله السومة وهي العلامة لأنها تؤثر بالرعي علامات.

﴿ ينبت لكم به الزرع ﴾ وقرأ أبو بكر بالنون على التفخيم. ﴿ والزيتون والنخيل والاعنب ومن كل الثمرت ﴾ وبعض كلها إذا لم ينبت في الأرض كل ما يمكن من الثمار، ولعل تقديم ما يسام فيه على ما يؤكل منه لأنه سيصير غذاء حيوانيا هو أشرف الأغذية، ومن هذا تقديم الزرع والتصريح بالأجناس الثلاثة وترتيبها. ﴿ إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ﴾ على وجود الصانع وحكمته، فإن من تأمل أن الحبة تقع في الأرض وتصل إليها نداوة تنفذ فيها، فينشق أعلاها ويخرج منه ساق الشجرة، وينشق أسفلها فيخرج منه عروقها. ثم ينمو ويخرج منه الأوراق والأزهار والأكمام والثمار، ويشتمل كل منها على أجسام مختلفة الأشكال والطباع مع اتحاد المواد ونسبة الطبائع السفلية والتأثيرات الفلكية إلى الكل، علم أن ذلك ليس إلا بفعل فاعل مختار مقدس عن منازعة الأضداد والأنداد ولعل فصل الآية به لذلك.

﴿ وسخر لكم اليل والنهار والشمس والقمر والنجوم ﴾ بأن هيأها لمنافعكم. ﴿ مسخرت بأمره ﴾ حال من الجميع أي نفعكم بها حال كونها مسخرات لله تعالى خلقها ودبرها كيف شاء، أو لما خلقن له بإيجاده وتقديره أو لحكمه، وفيه إيذان بالجواب عما عسى أن يقال إن المؤثر في تكوين النبات حركات الكواكب وأوضاعها، فإن ذلك إن سلم فلا ريب في أنها أيضا ممكنة الذات والصفات واقعة على بعض الوجود المحتملة، فلا بد لها من موجد مخصص مختار واجب الوجود دفعا للدور والتسلسل، أو مصدر ميمي جمع لاختلاف الأنواع.

وقرأ حفص ﴿ والنجوم مسخرت ﴾ على الابتداء والخبر فيكون تعميما للحكم بعد تخصيصه ورفع ابن عامر ﴿ الشمس والقمر ﴾ أيضا. ﴿ إن في ذلك لآيت لقوم يعقلون ﴾ جمع الآية، وذكر العقل لأنها تدل أنواعا من الدلالة ظاهرة لذوي العقول السليمة غير محوجة إلى استيفاء فكر كأحوال النبات.

﴿ وما ذرأ لكم في الأرض ﴾ عطف على ﴿ اليل ﴾ ، أي وسخر لكم ما خلق لكم فيها من حيوان ونبات. ﴿ مختلفا ألوانه ﴾ أصنافه فإنها تتخالف باللون غالبا. ﴿ إن في ذلك لآية لقوم يذكرون ﴾ إن اختلافها في الطباع والهيئات والمناظر ليس إلا بصنع صانع حكيم.

﴿ وهو الذي سخر البحر ﴾ جعله بحيث تتمكنون من الانتفاع به بالركوب والاصطياد والغوص. ﴿ لتأكلوا منه لحما طريا ﴾ هو السمك، ووصفه بالطراوة لأنه أرطب اللحوم يسرع إليه الفساد فيسارع إلى أكله، ولإظهار قدرته في خلقه عذبا طريا في ماء زعاق، وتمسك به مالك والثوري على أن من حلف أن لا يأكل لحما حنث بأكل السمك. وأجيب عنه بأن مبنى الإيمان على العرف وهو لا يفهم منه عند الإطلاق ألا ترى أن الله تعالى سمى الكافر دابة ولا يحنث الخالق على أن لا يركب دابة بركوبه. ﴿ وتستخرجوا منه حلية تلبسونها ﴾ كاللؤلؤ والمرجان أي تلبسها نساؤكم، فأسند إليهم لأنهن من جملتهم ولأنهن يتزين بها لأجلهم. ﴿ وترى الفلك ﴾ السفن. ﴿ مواخر فيه ﴾ جواري فيه تشقه بحيزومها، من المخر وهو شق الماء. وقيل صوت جري الفلك. ﴿ ولتبتغوا من فضله ﴾ من سعة رزقه بركوبها للتجارة. ﴿ ولعلكم تشكرون ﴾ أي تعرفون نعم الله تعالى فتقومون بحقها، ولعل تخصيصه بتعقيب الشكر لأنه أقوى في باب الأنعام من حيث أنه جعل المهالك سببا للانتفاع وتحصيل المعاش.

انوار التنزيل واسرار التأويل · الصفحة ٦٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

انوار التنزيل واسرار التأويلص ٦٨٠