تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" كان الله، ولم يكن شيء غيره ".

ومعنى ذلك أن الصادق الوحيد الذي يمكن أن نقبل منه كلاما عما فات قبل آدم هو الله - سبحانه وتعالى. وإن سألت: لماذا وجدت في زمني هذا، ولم أوجد في زمن آخر؟ هنا ستقول لنفسك إن كنت مؤمنا: " إن مشيئة وإرادة من أوجدني هي التي رجحت وجودي في هذا الزمن عن أي زمن آخر ". ولا بد أن تسأل نفسك: وما المطلوب مني؟ وستجد أن المطلوب منك هو حركة الحياة لأن تلك الحركة هي الفاصل بين الحياة والموت، والحق يقول:

هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها..

[هود: 61]. فقد أعطاك الحق - سبحانه - العقل لتفكر، وأعطاك الطاقة لتفعل، وسخر لك الكون بالمطمور فيه من الرزق لتستخرجه وتتعيش منه.

وهكذا يتضح لك أن كل شيء يحتاج منك أن تتحرك، وأنت في حركتك تحتاج لطاقة تأخذها من الأعلى منك وتعطي للأدنى منك لذلك أنت تأخذ طاقة من الأعلى منك، وتعطي للأدنى منك. وأنت تعلم أن قمة المطلوب منك أن تصلي بين يدي الله خمس مرات كل يوم لتشحن طاقتك وتخرج للحياة بعد أن تجدد ولاءك لمن خلقك وخلق الأكوان كلها، وإن أحسنت الوقوف بين يدي الله سيأتي مستقبلك مبنيا على هذا الإحسان. والحق - سبحانه - يعطينا مثلا لهاتين الحركتين، فيقول:

يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع..

[الجمعة: 9]. هذه حركة يأخذ فيها الإنسان طاقة من الأعلى، فالسعي إلى ذكر الله وترك البيع من أجل ذلك يعطي الإنسان طاقة إيمانية، يظهر أثرها في الحركة الثانية من حركات الإنسان. ولذلك يقول الحق - سبحانه - بعد هذا:

فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون

[الجمعة: 10]. ولذلك يقول الحق - سبحانه - في هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: ﴿ فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون ﴾ [هود: 123]. أي: أطع الله في أمره لأنه - سبحانه - الأعلى منك، بأن تؤدي المطلوب العبادي من: صلاة، وزكاة، وصيام، وحج إن استطعت لذلك سبيلا، لتأخذ من المدد الأعلى ما يعينك في حركتك الثانية التي تتحركها في الكون. ومن العجيب أن حركتك في الكون الأدنى تعينك على حركتك لاستمداد الطاقة من مكون الكون - سبحانه. فأنت حين تصلي تحتاج لستر عورتك بثوب، وحتى تأتي بالثوب لا بد لك من أن تعتمد على حركة الفلاح في الزراعة، وحركة العامل في النسج، وحركة التاجر في البيع، وحركتك في عملك الذي يتيح لك أجرا تشتري منه الثوب. وبذلك تكون قد أخذت كل علوم الحياة لكي تذهب للصلاة لتأخذ المدد من المدد الأعلى. وهكذا تجد أنك في حركة دائرة تأخذ المدد من الأعلى لتعطي الكون الأدنى، وتأخذ من الأدنى ما يتيح لك الوقوف بين يدي صاحب المدد الأعلى. وبهذا يثبت لك أن الحركة في الحياة الحاضرة لكل إنسان بالنسبة لعمره في الحياة، هي استقبال من المدد الأعلى، وانفعال مع المدد الأدنى، وكل منهما يعين على الآخر لذلك فعليك أن تعبد الله بأن تنظم حركة حياتك على ضوء منهجه - سبحانه. واعلم أنه ستصادفك المصاعب فإن صادفتك فتوكل على الله، وتلك فائدة من فوائد استمرار ولائك لله الذي تأخذ منه المدد. ولذلك

" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر قام إلى الصلاة ".

ومعنى " حزبه " أي خرج عن أسبابه، لذلك فهو يذهب إلى المسبب الأعلى، فإن عبدت الله وتوكلت عليه فهو يعينك لأنه - سبحانه لا يغفل عما نعمل.

وهذه الآية تدلك على السعادة في الحاضر والمستقبل لأنك إن كنت ترعى الله فسبحانه يكتب لك الحسنة بعشر أمثالها، وقد يضاعف عن ذلك، وتكتب السيئة بمثلها. وبذلك تكون هذه الآية قد استوعبت وانتظمت حال الإنسان: قبل حياته، وحاضر حياته، ومستقبل حياته إلى أن تقوم الساعة. يقول الحق - سبحانه:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٧٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٧٠٧