تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن فيكون

[يس: 82]. فكل شيء إنما يرجع إلى الله في التوقيت الذي شاءه الله.

أو: أن الأمر هو كل ما يتعلق بكائن حي لأن الحق - سبحانه - قد خلق في الكون أشياء وترك ملكيتها له - سبحانه - والحق - سبحانه - لا ينتفع بها، أما الإنسان فينتفع بها، وإن كان لا يقربها ولا يملكها، مثل: الشمس التي ترسل أشعتها، ويستفيد الإنسان بضوئها وحرارتها، وهي لا تدخل في ملكية الإنسان لأنها من أساسيات الحياة لذلك لم يجعل للإنسان الذي خصه الله بخاصية الاختيار حق ملكيتها أو الاقتراب منها حتى لا يعبث بها. وكذلك كل أساسيات الحياة جعلها الحق - سبحانه - في سلطته وحده، ولم يأمن أحدا من خلقه عليها، مثل الأرض بعناصرها، وكذلك الماء والهواء حتى لا يعبث أحد بأنفاس الهواء لأحد آخر. شاء الحق سبحانه أن يجعل الأساسيات في يده دون أن يملكها لأحد رحمة منه بنا، ذلك أنه - سبحانه - علم أن الإنسان بما تعتريه من أغيار قد يسيء استخدام تلك الأساسيات. وسخر الله هذه الأساسيات لخدمة كل المخلوقات، وسخر بعض المخلوقات ليسوسها الإنسان، وبعض المخلوقات الآخر لم يستطع الإنسان تسخيره، وحتى قوة الإنسان نفسه شاء الحق - سبحانه - أن يجعلها أغيارا فالقوي يسير إلى الضعف، والفقير قد يصبح غنيا. وهكذا يثبت لنا أن كل ما نملك موهوب لنا من الله - تعالى - وليس هناك ما هو ذاتي فينا، وما نملكه اليوم لا يخرج عن الملكية الموقوتة، فإذا جاء يوم القيامة رجع كل ما نملك لله - سبحانه وتعالى. ولذلك يقول الحق - سبحانه:

لمن الملك اليوم لله الواحد القهار

[غافر: 16]. ولذلك أيضا تشهد الجوارح على الإنسان لأنها تخرج عن التسخير الذي كانت عليه في الدنيا. وإذا كان الحق - سبحانه - يقول هنا: ﴿ ولله غيب السماوات والأرض.. ﴾ [هود: 123]. فهو - سبحانه - يقول في آية أخرى:

له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى

[طه: 6]. وكأن الحق - سبحانه - ينبه البشر منذ نزول القرآن إلى أهمية ما تحت الثرى من كنوز يمتن الله - تعالى - بها على عباده أنه يملكها. ونحن نعيش الآن باستخراج المكنوز الذي تحت الثرى. وحين يقول الحق - سبحانه هنا - في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها -: ﴿ وإليه يرجع الأمر كله.. ﴾ [هود: 123]. ففي ذلك تنبيه لكل إنسان، ليعمل مستهدفا النجاة حين لا يكون لنفسه على نفسه سبيل يوم القيامة. وليعلم كل إنسان أن كل ما يستمتع به هو من فيوضات الحق الأعلى الذي أعطى الإنسان قدرة من باطن قوته - سبحانه - وأعطاه غنى من باطن غناه - سبحانه - وأعطاه حكمة من باطن حكمته - سبحانه - وأعطاه قبضا وبسطا من باطن قدرته - سبحانه - وكذلك أعطى لعبيده من كل صفة بعضا من فيضها، ثم تظل الفيوضات للحق - سبحانه وتعالى.

وحين يشاء فهو يسلب كل الفيوضات ويعود الأمر إليه، لأن الأمر كله له سبحانه. فإن حدثت في القرآن بأمر تغيب عنك مقدماته، فاعلم أن الذي أنزل هذا الكتاب لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض. ولذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم على ثقة أن الحق - سبحانه - حين أمره أن يتوعد أعداء الدين فهو يطمئنه أن المرجع في كل الأمور إليه - سبحانه. واطمأن الرسول صلى الله عليه وسلم والذين معه أن أعداء الدين إن لم يجازوا في الدنيا، فغدا ترجع الأمور كلها إلى الله، وإن كان الحق قد ملكهم أشياء فسيسلبهم هذه الملكية في الآخرة، وإن كان قد أعطاهم الخيار في الدنيا خيار أن يؤمنوا ويطيعوا، أو أن يكفروا ويعصوا فهذا الاختيار سيزول عنهم في الآخرة، وكل مالك لملك يصير ملكه بعده إلى الله. وما دام الأمر كذلك فلنعبد الله وحده - سبحانه - لأنه صاحب الأمر فيما مضى وله الأمر الآن وله الأمر فيما يأتي. وهو - سبحانه - الذي شاء، فجعل للإنسان ثلاثة أزمان: زمان سبق وجود آدم وزمان من بعد آدم إلى وجود أي منا ثم زمان مستقبل إلى ما لا نهاية وبذلك يكون لكل منا زمان ماض وزمان حاضر وزمان مستقبل، وكل منا يدور في فلك الأحداث. ومن المنطقي بعد أن تستمتع بوجودك في الحياة وتنضج عقليا أن تتساءل عن ماضيك، وتاريخ الجنس البشري. وأنت - في هذه الحالة - تكون رهنا بثقة المحدث: هل يقول الصدق أم يقول الكذب؟ خصوصا إذا كان الحديث عن تاريخ ما قبل آدم، ولا بد أن تقول لنفسك: لا يمكن أن يحدثني عن ذلك إلا من خلقني. وساعة يبلغك رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بداية الخلق قائلا:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٧٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٧٠٦