تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم تأكيدا لهذا المعنى:

" علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل ".

والعالم: هو كل من يعلم حكما من أحكام الله سبحانه، وعليه أن يبلغه إلى الناس. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

" نضر الله وجه امرىء سمع مقالتي فوعاها، وأداها إلى من لم يسمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع ".

ويقول الحق سبحانه: ﴿.. أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا مآ أترفوا فيه وكانوا مجرمين ﴾ [هود: 116]. وقد أنجى الحق سبحانه بعضا ممن نهوا عن الفساد في الأرض. ونرى أمثلة على ذلك في القرية التي كانت حاضرة البحر، وكانت تأتيهم حيتانهم شرعا يوم السبت الذي حرموا فيه الصيد على أنفسهم، ويوم لا يسبتون لا تأتيهم. ويقول الحق سبحانه:

وإذا قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون * فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون

[الأعراف: 164-165]. هكذا أنجى الله سبحانه الذي نهوا عن السوء في تلك القرية، وقد نرى في بعض المجتمعات عنصرين: الأول: أنه لا يوجد طائفة تنهى عن الفساد. والعنصر الثاني: أن ينفتح على المجتمع باب الترف على مصراعيه، وفي انفتاح باب الترف على مصراعيه مذلة للبشر لأنك قد تجد إنسانا لا تترفه إمكاناته فيزيد هذه الإمكانات بالرشوة والسرقة والغصب. وكل ذلك إنما ينشأ لأن الإنسان يرى مترفين يتنعمون بنعيم لا تؤهله إمكاناته أن يتنعم به. ويقول الحق سبحانه وتعالى عن إهلاك مثل هذه المجتمعات:

وإذآ أردنآ أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها..

[الإسراء: 16]. وبعض الناس يفهمون هذه الآية الكريمة على غير وجهها فهم يفهمون الفسق على أنه نتيجة لأمر من الله - سبحانه وتعالى - والحقيقة أنهم إنما قد خالفوا أمر الله لأن الحق سبحانه يقول:

ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين..

[البينة: 5]. أي: أن الحق سبحانه أمر المترفين أن يتبعوا منهج الله، لكنهم خالفوا المنهج الإلهي مختارين ففسقوا عن أمر ربهم. وفي الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها: ﴿ واتبع الذين ظلموا مآ أترفوا فيه.. ﴾ [هود: 116]. وقوله سبحانه: ظلموا تبين أن مادة الترف التي عاشوا فيها جاءت من الظلم، وأخذ حقوق الناس وامتصاص دماء الكادحين. ومادة ترف تعني النعمة يتنعم بها الإنسان.

ومنها: أترف، وأترف، وكلمة " أترف " أي: أطغته النعمة، وأنسته المنعم سبحانه. وأترف، أي: مد الله له في النعمة ليأخذه أخذ عزيز مقتدر. والحق سبحانه يقول:

فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم بغتة..

[الأنعام: 44]. فمن يمسك عدوه ليرفعه فلا يظنن أنه يدلله، ولكنه يرفعه ليلقيه من عل، فيزداد ويعظم ألمه. وكان الله سبحانه قد أعطى أمثال هؤلاء نعمة ليطغوا. ولنا أن ننتبه إلى كلمة " الفتح " التي تجعل النفس منشرحة، وعلينا أن ننتبه إلى المتعلق بها، أهو فتح عليك، أم فتح لك؟ إن فتح عليك فافهم أن النعمة جاءت لتطغيك، ولكن إن فتح لك، فهذا تيسير منه سبحانه، فهو القائل:

إنا فتحنا لك فتحا مبينا

[الفتح: 1]. وهؤلاء الذين يحدثنا الحق سبحانه عنهم في هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها قد فتح الله سبحانه عليهم أبواب الضر لأنهم غفلوا عنه. وينهي الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله: ﴿.. وكانوا مجرمين ﴾ [هود: 116]. أي: كانوا يقطعون ما كان يجب أن يوصل وهو اتباع منهج السماء لأن كلمة مجرمين مأخوذة من مادة " جرم " وتعني: " قطع " ، وقطع اتباع منهج السماء والغفلة عن الإيمان بالخالق سبحانه، والاستغراق في الترف الذي حققوه لأنفسهم بظلم الغير، وأخذ نتيجة عرق وجهد الغير. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿ وما كان ربك ليهلك القرى... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٦٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٦٩٥