وهكذا تفعل الذكرى لأنها تستدعي ما في حاشية الشعور إلى بؤرة الشعور، فإذا انشغلت عن طاعة وذهبت إلى معصية، فالذكرى توضح لك آفاق المسئولية التي تتبع المعصية، وهي العقاب. ولذلك يقال: " لا خير في خير بعده النار، ولا شر في شر بعده الجنة ". والحق سبحانه يقول هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: ﴿ وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من اليل.. ﴾ [هود: 114]. وأنت حين تنظر إلى أركان الإسلام، ستجد أنك تشهد ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله مرة واحدة في العمر، والركن الثاني، وهو الصلاة، وهو ركن لا يسقط أبدا، فهي كل يوم خمس مرات، فيها تنطق بالشهادة، وتزكي ببعض الوقت ليبارك لك الله - سبحانه وتعالى - فيما بقي لك من وقت، وفيها تصوم عن الطعام والشراب وكل ما يفسد الصيام، وأنت تتجه لحظة قيام الصلاة إلى البيت الحرام. ففي الصلاة تتضح العبادات الأخرى، ففيها من أركان الإسلام الخمس. ولذلك لا تسقط الصلاة أبدا لأنك إن لم تستطع الصلاة واقفا فلك أن تصلي قاعدا، وإن لم تكن تستطيع الحركة فلك أن تحرك رموش عينيك، وأنت تصلي. وهكذا تجد في الصلاة كل أركان الدين، ولأهميتها نجد أنها تبقى مع الإنسان إلى آخر رمق في حياته، وهي قد أخذت أهميتها في التشريع على قدر أهميتها في التكليف، وكل تكاليف الإسلام قد جاءت بواسطة الوحي إلا الصلاة، فقد جاءت مباشرة من الله تعالى، فقد استدعى الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم إليه ليفرض عليه الصلاة وهي تحية لأمة محمد صلى الله عليه وسلم نظرا لأنها شرعت في قرب محمد صلى الله عليه وسلم من ربه سبحانه وتعالى. لذلك جعل الحق سبحانه الصلاة المفروضة في القرب وسيلة لقرب أمة رسوله صلى الله عليه وسلم جميعا ولذلك فهي الباقية. ويحكى أن الإمام عليا - كرم الله وجهه ورضي عنه - أقبل على قوم وقال لهم: أي آية في كتاب الله أرجى عندكم؟ أي: ما هي الآية التي تعطي الرجاء والطمأنينة والبشرى بأن الحق سبحانه يقبلنا ويغفر لنا ويرحمنا، فقال بعضهم: هي قول الحق سبحانه:
إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء..
[النساء: 116]. فقال الإمام علي: حسنة، وليست إياها؟ أي: أنها آية تحقق ما طلبه، لكنها ليست الآية التي يعنيها. فقال بعض القوم إنها قول الحق سبحانه:
ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما
[النساء: 110]. فكرر الإمام علي: حسنة، وليست إياها. فقال بعض القوم: هي قول الحق سبحانه:
قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا..
[الزمر: 53]. فقال الإمام علي: حسنة، وليست إياها: فقال بعضهم: هي قوله سبحانه:
والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله..
[آل عمران: 135]. فقال الإمام علي: حسنة، وليست إياها. وصمت القوم وأحجموا، فقال الإمام علي كرم الله وجهه: ما بالكم يا معشر المسلمين؟ وكأنه يسألهم: لماذا سكتم؟.. فقالوا: لا شيء. وهكذا جعل الإمام علي التشويق أساسا يبني عليه ما سوف يقول لهم: واشرأبت أعناقهم، وأرهفوا السمع، فقال لهم الإمام علي: سمعت حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" أرجى آية في كتاب الله هي قول الحق سبحانه: ﴿ وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من اليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين ﴾. يا علي إن أحدكم ليقوم من وضوئه فتتساقط عن جوارحه ذنوبه، فإذا أقبل على الله بوجهه وقلبه لا ينفتل - أي: لا يلتفت - إلا وقد غفر الله له كل ذنوبه كيوم ولدته أمه فإذا أحدث شيئا بين الصلاتين فله ذلك، ثم عد الصلوات الخمس واحدة واحدة، فقال بين الصبح والظهر، وبين الظهر والعصر، وبين العصر والمغرب، وبين المغرب والعشاء، وبين العشاء والفجر، ثم قال صلى الله عليه وسلم: " يا علي إنما الصلوات الخمس لأمتي كنهر جار بباب أحدكم، أو لو كان على جسد واحد منكم درن ثم اغتسل في البحر، أيبقى على جسده شيء من الدرن؟ قال: فذلكم والله الصلوات لأمتي ".