" إن صوم يوم عرفة إلى صوم يوم عرفة يذهب السيئات ".
ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم
" إن الإنسان الذي يستقبل نعمة الله بقوله: الحمد لله الذي رزقنيه من غير حول مني ولا قوة، والحمد لله الذي كساني من غير حول مني ولا قوة "
وهذا القول يكفر السيئات. ألم يقل صلى الله عليه وسلم
" إنك إذا قلت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فهذا القول كفارة؟ "
إذن: فالحسنات مطلقة سواء أكانت فرضا أم غير فرض، وهي تذهب السيئات. والسيئة هي عمل توعد الله - سبحانه - من يفعله بالعقوبة. وتساءل أيضا بعض العلماء: إن السيئة عمل، والعمل إذا وقع يرفع ويسجل، فكيف تذهبها الحسنة؟ وأجابوا: إن ذهاب السيئة يكون إما عن طريق من يحفظ العمل، ويكتبه عليك، فيمحوه الله من كتاب سيئاتك، أو أن يعفو الله سبحانه وتعالى عنك فلا يعاقبك عليه، أو يكون ذهاب العمل في ذاته فلا يتأتى، وما وقع لا يرتفع أو يحفظها الله إن وقعت لأنه هو سبحانه القائل:
ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد
[ق: 18]. ويقول سبحانه:
وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين
[الانفطار: 10-11]. وهكذا يكون إذهاب السيئة، إما محوها من الكتاب، وإما أن تظل في الكتاب، ويذهب الله سبحانه عقوبتها بالمغفرة.
والحق سبحانه يقول:
الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة..
[النجم: 32]. واجتناب الكبائر لا يمنع من وقوع الصغائر. والحق سبحانه يقول:
إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر..
[العنكبوت: 45]. وحين ننظر إلى مواقيت الصلاة، نجدها خمسة مواقيت، فمن تعلق قلبه بالصلاة، إنما ينشغل قلبه طوال وقت حركته بإقامة الصلاة، ثم يأتي وقت الليل لينام، وكل من يرتكب معصية سينشغل فكره بها لمدة، ولو لم يأت له وقت صلاة لأحس بالضياع، أما إذا ما جاء وقت الصلاة فقلبه يتجه لله سبحانه طالبا المغفرة. وإن وقعت منه المعصية مرة، فقد لا تقع مرة أخرى، أو أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر في وقت الاستعداد لها، فمن جلس لينم على غيره، أو يظلم الناس، إذا ما سمع أذان الصلاة وقام وتوضأ فقد رحم الناس في وقت وضوئه ووقت صلاته ووقت ختمه للصلاة. وهناك أعمال كثيرة من الفروض والحسنات وهي تمحو السيئات، وعلى المسلم أن ينشغل بزيادة الحسنات، وألا ينشغل بمحو السيئات لأن الحسنة الواحدة بعشرة أمثالها وقد يضاعفها الله سبحانه، أما السيئة فإنما تكتب واحدة. وينهي الحق سبحانه هذه الآية الكريمة بقوله: ﴿.. ذلك ذكرى للذاكرين ﴾ [هود: 114]. أي: إن إقامة الصلاة طرفي النهار، وزلفا من الليل هي حسنات تذهب السيئات وفي ذلك ذكرى وتنبيه للنفس إلى شيء غفل عنه، أي: أن هذا الشيء كان موجودا من قبل، ولكن جاءت الغفلة لتنسيه، والإخبار الأول أزال الجهل بهذا الشيء، والإخبار الثاني يذكرك بالحكم لأن آفة الإنسان أن الأمور التي تمر به من المرائي والمدركات، تتوالى وتصير الأشياء التي في بؤرة الشعور إلى حاشية الشعور، فيغفل الإنسان عما صار في حاشية الشعور، ولا بد من مجيء معنى جديد ليذكر بما غاب في حاشية الشعور. ومثال ذلك: إنك إذا ألقيت حجرا في بحر، فهذا الحجر يستقر في بؤرة تصنع حولها دوائر من المياه، وتذهب هذه الدوائر إلى أن تختفي من رؤية الإنسان، ودليل ذلك أنك قد تتذكر أحداثا مرت عليك من عشرين عاما أو أكثر، هذه الأحداث كانت موجودة في حاشية الشعور، ثم جاء لك ما ينبهك إليها. والمخ كآلة التصوير الفوتوغرافية يلتقط أحيانا من مرة واحدة، وأحيانا من مرتين، أو أكثر، والالتقاط من أول مرة إنما يتم لأن المخ في تلك اللحظة كان خاليا من الخواطر. ونحن نجد أن من فقدوا أبصارهم إنما ينعم الله سبحانه عليهم بنعمة أخرى، هي قدرتهم الكبيرة على حفظ العلم لأنه حين يسمع الكفيف العلم لا تشغله الخواطر المرئية التي تسرق انتباه بؤرة الشعور، أما المبصر، فقد تسرق بؤرة شعوره ما يمر أمامه، فيسمع العلم لأكثر من مرة إلى أن يصادف العلم بؤرة الشعور خالية فيستقر فيها.