واللقطة الثانية: هي خاتمة فرعون لا مع موسى عليه السلام، ولكن مع الحق سبحانه يوم القيامة، يقول تعالى:
يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود * وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود
[هود: 98-99]. وكان لشعيب عليه السلام مهمة تثبيت قلب موسى عليه السلام من الهلع، حين أعلن له أنه خائف من أن يقتله قوم فرعون لأنه قتل رجلا منهم، فقال له شعيب عليه السلام ما ذكره الحق سبحانه في قوله:
.. نجوت من القوم الظالمين
[القصص: 25]. وهكذا ثبته وهيأ له حياة يعيش فيها آمنا لمدة ثماني حجج أو أن يتمها عشر حجج، مصداقا لقول الحق سبحانه:
قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك ومآ أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين * قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل
[القصص: 27-28]. وهكذا باشر شعيب عليه السلام مهمة في قصة موسى عليه السلام. ومن هذا ومن ذاك يعطينا الحق سبحانه الدرس بأن الفطرة السليمة لها تقنينات قد تلتقي مع قانون السماء لأن الحق سبحانه لا يمنع عقول البشر أن تصل إلى الحقيقة، لكن العقول قد تصل إلى الحقيقة بعد مرارة من التجربة، مثلما قنن الحق سبحانه الطلاق في الإسلام، ثم أخذت به بلاد أخرى غير مسلمة بعد أن عانت مر المعاناة. ومثلما حرم الحق سبحانه الخمر، ثم أثبت العلم مضارها على الصحة، فهل كنا مطالبين بأن نؤجل حكم الله تعالى إلى أن يهتدي العقل إلى تلك النتائج؟ لا لأن الحق سبحانه قد أنزل في القرآن قانون السماء الذي يقي الإنسان شر التجربة لأن الذي أنزل القرآن سبحانه هو الذي خلقنا وهو مأمون علينا، وقد أثبتت الأيام صدق حكم الله تعالى في كل ما قال بدليل أن غير المؤمنين بالقرآن يذهبون إلى ما نزل به القرآن ليطبقوه. وفي قصة موسى عليه السلام مثل واضح على مشيئة الحق سبحانه، فها هو فرعون الكافر قد قام بتربية موسى بعد أن التقطه لعله يكون قرة عين له، رغم أن فرعون كان يقتل أطفال تلك الطائفة. ثم تلحظ أخت موسى أخاها، ويرد الحق سبحانه موسى عليه السلام إلى أمه. وقد صور الشاعر هذا الموقف بقوله:
إذا لم تصادف في بنيك عناية
من الله فقد كذب الراجي وخاب المأمل
فموسى الذي رباه جبريل كافر
وموسى الذي رباه فرعون مرسل
وقد جاءت قصة موسى عليه السلام هنا موجزة، في البداية وفي النهاية ليبين لنا الحق سبحانه أن لشعيب دورا مع واحد من أولي العزم من الرسل، وهو موسى عليه السلام، وكان مقصد موسى عليه السلام قبل أن يبعث - هو ماء مدين، فحدث ما يمكن أن نجد فيه حلا لمشاكل الجنسين - الرجل والمرأة - وهي رأس الحربة التي توجه إلى المجتمعات الإسلامية لأن البعض يريد أن تتبذل المرأة في مفاتنها، لإغواء الشباب في أعز أوقات شراسة المراهقة.
لكن القرآن حل هذه المسألة في رحلة بسيطة، ولنقرأ قول الحق سبحانه عن موسى:
ولما ورد مآء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان..
[القصص: 23]. أي: تمنعان الماشية من الاقتراب من المياه، وكان هذا المشهد ملفتا لموسى عليه السلام، وكان من الطبيعي أن يتساءل: ألم تأتيا إلى هنا لتسقيا الماشية؟! وقال القرآن السؤال الطبيعي:
ما خطبكما..
[القصص: 23]. فتأتيه الإجابة من المرأتين:
قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعآء وأبونا شيخ كبير
[القصص: 23]. وهكذا نعلم أن خروج المرأة له علة أن الأب شيخ كبير، وأن خروج المرأتين لم يكن بغرض المزاحمة على الماء، ولكن بسبب الضرورة، وانتظرتا إلى أن يسقي الرعاة، بل ظلتا محتجبتين بعيدا لذلك تقدم موسى عليه السلام ليمارس مهمة الرجل:
فسقى لهما..
[القصص: 24]. وهذه خصوصية المجتمع الإيماني العام، لا خصوصية قوم، ولا خصوصية قربى، ولا خصوصية أهل، بل خصوصية المجتمع الإيماني العام. فساعة يرى الإنسان امرأة قد خرجت إلى العمل، فيعرف أن هناك ضرورة ألجأتها إلى ذلك، فيقضي الرجل المسلم لها حاجتها. وأذكر حين ذهبت إلى مكة في عام 1950م أن نزل صديقي من سيارته أمام باب منزل، وكان يوجد أمام الباب لوح من الخشب عليه أرغفة من العجين التي لم تخبز بعد، وذهب به إلى المخبز، ثم عاد به بعد خبزه إلى نفس الباب. وقال لي: إن هذه هي عادة أهل مكة، إن وجد إنسان لوحا من العجين غير المخبوز فعليه أن يفعل ذلك لأن وجود هذا اللوح أمام الباب إنما يعني أن الرجل رب البيت غائب. وهذا كله مأخوذ من كلمة: