إذن: فمن المهم أن يأخذ كل إنسان حقه قبل أن يجف عرقه مصداقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه ".
وهكذا نعلم أن الدين في ظاهر الأمر يحض على الإيثار، وفي واقع الأمر، هو يحرص على تأكيد ثواب الإنسان عند ربه لأن الذي يؤثر غيره على نفسه - ولو كان به خصاصة - لو كان معه مال قليل وأعطاه لآخر عنده ضائقة، وليس عند هذا الآخر مال، هنا يكون صاحب المال القليل قد آثر الآخر على نفسه في ظاهر الأمر، ولكنه سيأخذ أضعاف هذا المال ثوابا من عند الله تعالى. وهكذا يعلمنا الدين النفعية الراقية، وهي النفعية التي يعاملنا بها الله سبحانه وحين نترك قانون النفعية ليسيطر على حركة الناس، فنحن نوفر سيولة الانتفاع في المجتمع. وهنا في الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها عرفنا أن شعيبا قال لأهل مدين: ﴿ ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير.. ﴾ [هود: 84]. أي: أنكم يا أهل مدين غير مضطرين لذلك لأن من يبيع منكم عنده سلع، ومن يشتري إنما يملك نقودا، فاكتفوا بالخير الذي عندكم، وليأخذ كل ذي حق حقه، وهذه قضية يغفل عنها كثير من الناس فالذي يبيع قد يبيع صنفا واحدا، فإن غش في الكيل أو الميزان، فسوف يغشه ويخدعه غيره في الأصناف الأخرى التي تلزمه لحياته. وإن اشتغل واحد في إنقاص الكيل والميزان، فالآخرون سيفعلون مثل ذلك في كل ما يخص حياته لأن المخادع الواحد، سيلقي مخادعين كثيرين، وهنا يقول شعيب عليه السلام: ما الذي يضطركم إلى ذلك وأنتم بخير؟ ثم يقول محذرا: ﴿.. وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط ﴾ [هود: 84]. لانك حين تنقص شيئا وأنت تبيع أو تزيد شيئا حين تشتري، فأنت لا تخدع من تتعامل معه، وإنما تخدع نفسك. وكلنا يعلم أن الغفلة قد تطرأ على البائع، وقد تطرأ على المشتري، وقد يحاول بائع أن يستغل غفلة المشتري فيزيد من ثقل الميزان بإصبعه، وقد يحاول المشتري أن يستغل غفلة البائع بأن يرفع كفة الميزان بإصبعه من غير أن يراه البائع، فيأخذ غير حقه، وهذا نوع من خداع النفس لأن الحق سبحانه إنما يأمر بالاستقامة في البيع والشراء لأن الانتفاع بأي شيء مهما كثر، فهو موقوت بعمر الإنسان في الدنيا، وعمر الإنسان موقوت، ولكن الذي يغش ويخدع إنما يعرض نفسه لعذاب الله سبحانه في الآخرة، وهو عذاب بلا أمد ولا نهاية. وهكذا يسلم الإنسان نفسه لفائدة قليلة في الدنيا الزائلة، ثم يلقى عذابا لا ينتهي في آخرة غير زائلة. والعذاب في الآخرة عذاب محيط، بمعنى أن المعذب لا يستطيع أن يفلت منه، فأنت في الدنيا بإمكانك أن تحتال في النجاة من العذاب، وقد تلجأ إلى من هو أقوى منك ليحميك، ولكنك في الآخرة تواجه يوما لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة، إن كنت من أهل النار. يقول الحق سبحانه بعد ذلك ما جاء على لسان شعيب مواصلا الحديث إلى أهل مدين: ﴿ ويقوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط... ﴾.