تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" نجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل من أرسله مبعوثا إلى اليمن فقال: " كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بما في كتاب الله. قال فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو، قال: فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدري ثم قال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم ".

وبعد أن دعا شعيب - عليه السلام - آل مدين لعبادة الله سبحانه وحده، وهذا هو الأمر المشترك بين جميع الرسل - عليهم السلام - تأتي الأحكام الأخرى، فمن يعمل فاحشة له علاجه، ومن ينقص في الكيل والميزان، فالرسول يعالج هذا الأمر. لأن العالم القديم كان عالم انعزال، لا التحام فيه أو مواصلة فقد يوجد عيب وآفة في مكان، ولا يوجد هذا العيب أو تلك الآفة في مكان آخر. وكل رسول يأتي ليعالج عيبا محددا في المكان الذي أرسله الله إليه، ولكن رسول الله محمدا صلى الله عليه وسلم جاء - وهو الرحمة المهداة للجميع وخاتم الأنبياء والمرسلين - جاء صلى الله عليه وسلم والدنيا على ميعاد بالالتقاء الإيماني، فلما تقاربت البلاد عن طريق سرعة الاتصالات، وما يحدث في عصرنا الآن بقارة أمريكا نجده عندنا في نفس اليوم أو غدا، فالعالم الآن عالم التقاء، وتعددت الداءات فيه وتوحدت بسبب سرعة الالتقاء عن طريق عدم التمييز بين الخبيث والطيب.

ولذلك شاء الحق سبحانه أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم هو خاتم الرسل. وكانت خيبة آل مدين هي عدم عبادة الله وحده، وكذلك كانت فيهم خسيسة التطفيف في الكيل والميزان، لذلك يقول الحق سبحانه على لسان شعيب عليه السلام: ﴿ ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير.. ﴾ [هود: 84]. وحين قرأ العلماء هذا القول الكريم لم يلتفتوا إلى أن المراد ليس نقص المكيل والموزون، لأنه لو شاء لقال: " ولا تنقصوا المكيل أو الموزون " هذا إذا نظرنا إلى الأمر من وجهة ما يريد البائع، ولكن القول هنا يقصد أن يأخذ كل ذي حق حقه، أن يأخذ المشتري حقه من السلعة، وأن يأخذ البائع حقه في الربح. إذن: فهذا القول الكريم يشمل البائع والمشتري معا. والكيل - كما نعرف - هو تعديل شيء بشيء، فإن كان في الخفة والثقل فالأمر يحتاج إلى ميزان، وإن كان تعديل شيء بشيء في الكم، فهذا يحتاج إلى الكيل، وهذا هو الأمر المشهور في الكيل والميزان، وأي تعديل شيء بشيء يحتاج إلى ما يناسبه فالقماش مثلا - يتم تعديله بالمتر، والأرض يتم تعديلها بالمساحة أي: قياس الطول والعرض، وبعض الأشياء تباع بالحجم، وهذا يعني قياس الطول والعرض والارتفاع واستخراج الناتج بعملية ضرب كل منهم في الآخر. إذن: فالأمر المهم هو أن يأخذ كل إنسان حقه، حتى وإن كان تأجير قوة عامل لينجز عملا، فأنت تعدل زمن وقوة العمل بالأجر الملائم، والأمر المشهور هو الكيل والميزان، لكن بقية التقييمات موجودة ليأخذ كل ذي حق حقه. لأن الإنسان لو أخذ غير حقه لاستمرأ أن يأخذ حقوق الناس، ولو أكل بعض الناس حقوق البعض الآخر لزهد من أكلت حقوقهم في العمل. وأنت حين تعطي للإنسان أقل مما يستحق، أو تأخذ من جهده فوق ما تدفع له من أجر، تجده يبطىء في العمل، ولا ينجز المطلوب منه على تمام الدقة، ومن هنا يحدث الخلل. ولذلك أقول: إن إعطاء كل ذي حق حقه يزيد من جودة الأداء في العمل. وعلينا أن نترك صاحب الطموح ليعمل بدلا من أن يخزن ماله أو يكنزه لأن صاحب الطموح حين يقيم مشروعا أو بناء فهو يفيد الفقراء وينفعهم - حتى وإن كان لا يفكر في ذلك - فالذي يبني عمارة سكنية ينفع الصناع والعمال ومنتجي المواد اللازمة للبناء - دون أن يقصد - وسينتفع العامل الفقير - دون أن يقصد صاحب العمل - وربما انتفع كل الفقراء مما يصنعه صاحب العمل، قبله فيما يفعل.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٦٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٦٥٢