تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإنها لبسبيل مقيم

[الحجر: 76]. أي: بطريق تمرون عليها، لا يجرفها سيل، ولا يغير معالمها ريح. بل هي طريق ثابتة مقيمة تمرون عليها حينما تذهبون في رحلة الصيف إلى الشام، فكان من الواجب أن تأخذوا في كل مرور لقطة وعبرة حتى لا تقعوا في ظلم آخر. وقد نبهكم الله سبحانه أيضا بمروركم على ديار قوم صالح الذين خاطبهم الحق سبحانه بقوله:

أتبنون بكل ريع آية تعبثون * وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون * وإذا بطشتم بطشتم جبارين

[الشعراء: 128-130]. هكذا ترون ديار ثمود وديار عاد وديار لوط وهي خاوية، وكان من الواجب - معشر قريش - ألا تبالغوا في الظلم، وأن تنتبهوا بالعبرة إلى مصير كل من يشرك بالله تعالى. ويلفتهم الحق سبحانه إلى أنهم لم يكفروا بحق الألوهية فقط، ولكنهم - أيضا - كفروا بشكر النعمة، وظلموا لأن الله سبحانه هو الذي أنعم عليهم برحلة الشتاء إلى اليمن، وبرحلة الصيف إلى الشام، والرحلتان للتجارة التي تأتي بالزيادة لقريش لأنهم يخرجون بالأموال ويعودون بالبضائع التي يبيعونها لأهل مكة، ولزوار بيت الله الحرام.

وقد أخذت قريش مهابتها عند كل قوم يمرون عليهم أثناء الرحلتين، من أنهم يعيشون حول البيت الحرام، لذلك يمتن الله سبحانه على قريش في قوله سبحانه:

ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل * ألم يجعل كيدهم في تضليل * وأرسل عليهم طيرا أبابيل * ترميهم بحجارة من سجيل * فجعلهم كعصف مأكول

[الفيل: 1-5]. فالقوم الذين جاءوا ليهدموا البيت الحرام - وهو رمز السيادة - لو هدم وتحول الحجيج إلى صنعاء، لسقطت مهابة قريش، ولكن الله تعالى حمى البيت وأرسل عليهم طيرا أبابيل، وجعل الذين قصدوه بسوء كعصف مأكول. لماذا صنع الله تعالى ذلك؟ تأتي الإجابة في السورة التالية لسورة الفيل حيث يقول الحق سبحانه في سورة قريش:

لإيلاف قريش * إلفهم رحلة الشتآء والصيف * فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف

[قريش: 1-4]. إذن: كان من الواجب حين يمرون على هذه الديار أن يأخذوا منها عبرة، وأنهم - وإن كانوا يمرون على هذه الديار بقصد التجارة وهي سر معاشهم - إذا لم يأخذوا من هؤلاء العبرة فهم يقترفون ظلما جديدا آخر. لذلك يقول الحق سبحانه: ﴿.. وما هي من الظالمين ببعيد ﴾ [هود: 83]. أو: أن الله سبحانه وتعالى أراد أن ينبه قريشا إلى أن الهلاك الذي نزل بهؤلاء القوم المشركين، ليس ببعيد أن يصيب قريشا، وأن يرسل الله سبحانه على كل واحد من الكافرين به حجرا مسوما يصيبه في مكانه الذي يكون فيه. والسطحيون - في اللغة - يخطئون فيأخذون على القرآن مآخذ، لا تلتفت إليها الكلمة الصحيحة في اللغة، ويقولون: كيف يقول الله: ﴿.. وما هي من الظالمين ببعيد ﴾ [هود: 83]. وكلمة " ما هي " مؤنثة، وتقتضي أن يقول: " بعيدة " بدلا من كلمة " بعيد " ، أي: أن يكون القول: " وما هي من الظالمين ببعيدة " ونسوا أن المتكلم هو الله تعالى، وأنهم لم يدرسوا اللغة دراسة صحيحة لأن " فعيل " إن جاءت بمعنى " مفعول " ، فهنا يستوي المذكر والمؤنث. ومثال ذلك من القرآن الكريم أيضا هو قول الحق سبحانه:

والملائكة بعد ذلك ظهير

[التحريم: 4]. وقول الحق سبحانه:

إن رحمت الله قريب من المحسنين

[الأعراف: 56]. إذن: فعدم درايتهم باللغة هو الذي جعلهم يخطئون مثل هذا الخطأ. ويأتي الحق سبحانه بعد ذلك بقصة أخرى من القصص التي جاء بها الله في هذه السورة لموكب الرسل، فيأتي بقصة شعيب عليه السلام، ويقول سبحانه: ﴿ وإلى مدين أخاهم شعيبا... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٦٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٦٥٠