تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولذلك يقول الحق سبحانه:

لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين * إن نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين

[الشعراء: 3-4]. إذن: فالحق سبحانه يريد قلوبا تخشع، لا أعناقا تخضع. وهكذا فوضت أمة محمد صلى الله عليه وسلم تفويضين: فوضت في نقل رسالة محمد صلى الله عليه وسلم إلى الأجيال، وكل جيل ينقلها إلى الجيل الذي يليه. وها هو صلى الله عليه وسلم يقول:

" نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وأداها إلى من لم يسمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع ".

وفوضت أمة محمد صلى الله عليه وسلم في أن تقف من الكافرين موقف تأديب، لا لتفرض الدين ولكن لتحمي حق اختيار الدين، فلم يحدث أن رفع سيف في الإسلام ليفرض دينا بل رفع السيف ليحمي حرية اختيار الإنسان للدين. يقول سبحانه:

فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر..

[الكهف: 29]. فإذا آمن فعليه الالتزام بالإيمان، فلا يكسر حكما من أحكام الإيمان، وهذا تصعيب للدخول في الإسلام، فمن أين يأتي ادعاء فرض الدين على المخالفين؟! إذن: فقد آمن المؤمن من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إيمانين: الإيمان الأول هو أن يؤمن بالإسلام، والإيمان الثاني أن يبلغ الدعوة. ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل ".

فهل المقصود بالعلماء هم من يعلمون العلم فقط لا، بل يقصد كل من يعرف قضية من قضايا الإيمان معرفة سليمة وصحيحة وينساح بالدعوة في الأرض ليعلم غير المؤمنين ويترك الناس أحرارا في اختيار الدين. وكذلك يقف المؤمنون برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأية قوة تحارب حرية اختيار الدين. وهكذا جاءت قصص القرآن لتثبيت فؤاده صلى الله عليه وسلم. ونحن نعلم أن الحق سبحانه قد بعث المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو في مكة، فصرخ بالدعوة، لا في آذان القبائل الواهية في أطراف الجزيرة، ولكن في آذان سادة الجزيرة، حتى لا يقال: إنه استضعف قوما فناداهم إلى الإيمان به، ولم يجرؤ على السادة، وهم قريش، التي أخذت السيادة بحكم إقامتها في مكان البيت العتيق، وكان كل العرب يحجون إلى البيت الحرام، فإذا ما تعرضت قبيلة لقريش بسوء، فقريش قادرة على أن تنال من أبناء تلك القبيلة حين يحجون إلى البيت الحرام. وهكذا أخذت قريش هيبتها من وجودها حول البيت. إذن: فالبيت هو الذي صنع السيادة لقريش، وهو الذي صنع السيادة للآلهة المدعاة من الأصنام حين يأتي كل قوم بإلههم من الحجر ليضعوه في البيت ليكتسب الحجر قداسة من قداسة البيت. إذن: فقد أخذت قريش السيادة من البيت الحرام، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعلن الدعوة على أسماع السادة، وسفه أحلامهم، ولم يبال بجبروتهم وسيادتهم على الجزيرة.

لكن الحق سبحانه قد شاء ألا يكون انتصار الإسلام على يد السادة من قريش في مكة، بل جاء انطلاق الإسلام من المدينة لأن الله سبحانه أراد أن يعلم الدنيا كلها أن العصبية لمحمد لم تخلق الإيمان بمحمد. ولكن الله تعالى قد شاء أن يكون المستضعفون من أطراف الجزيرة هم الذين نصروا الدعوة فكأن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم هو الذي خلق العصبية لمحمد للحق الممثل في رسالة محمد، ولم تخلق العصبية لمحمد إيمانا به وبرسالته. وإذا كان الحق سبحانه قد نعتهم بالظالمين، وبين لهم أن المكان الذي قلب عاليه أسفله، ليس ببعيد عنهم، فهل لهم أن يتخذوا من ذلك عبرة؟ والظلم - كما نعلم - هو مجاوزة الحق للغير، أي: أن تأخذ حق الغير وتعطيه لغير ذي حق، فإذا كان ظلما في الألوهية، فهذا هو الشرك العظيم، وإن كان ظلما في إعطاء حق من حقوق الدنيا للغير، فهو ظلم للإنسانية، والظلم درجات بحسب الجريمة. وقد ظلمت قريش نفسها ظلما عظيما لأنها أشركت بالله وجعلت له شركاء في الألوهية وهذا أقصى أنواع الظلم. والله سبحانه يريد أن يذكر هؤلاء الظالمين بأن عذاب الله حين يجيء، أو أمر الله حين يأتي لا يمكن أن يقوم أمامه قائم يمنعه، فتنبهوا جيدا إلى أنكم عرضة أن ينزل الله تعالى بكم العذاب كما أنزل بهذه القرى وهي غير بعيدة عنكم، فالمسافة بين المدينة والشام قد تبدو مسافة طويلة إلا أن الله تعالى قد جعلهم يمرون عليها في كل رحلة من رحلات الصيف إلى الشام. إذن: فهي قرى تقع على طريق مسلوكة ولذلك يقول الحق سبحانه عن موقعها:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٦٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٦٤٩