تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[الأنعام: 76-79]. إن هذه الآيات تبين وظيفة الحواس إدراكا، ووظيفة الوجدان انفعالا، ووظيفة الاختيار توحيدا وإذعانا بيقين. ثم يقول الحق سبحانه في موضع آخر على لسان إبراهيم عليه السلام فخاطب عمه باحترام لمكانته التي تساوي منزلة الأب. يقول الحق سبحانه:

واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا * إذ قال لأبيه يأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا * يأبت إني قد جآءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا * يأبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا * يأبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا

[مريم: 41-45]. فهذه الآية تبين رفق الداعي مع جمال العرض. فأصر العم على الشرك، فقال إبراهيم عليه السلام:

سأستغفر لك ربي..

[مريم: 47]. وبعد ذلك يتبرأ منه لإصراره على الكفر. ثم هناك لقطة من يحاجج إبراهيم في ربه:

ألم تر إلى الذي حآج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت..

[البقرة: 258]. وكانت تلك سفسطة في القول ناتجة عن عجز في التعبير، فليس إصدار حكم بالقتل على إنسان، ثم العفو عنه، هو إحياء وإماتة، فأخذه إبراهيم عليه السلام إلى منطقة لا يجرؤ عليها أحد، وقال:

فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب..

[البقرة: 258]. وهذه الآية تبين منطق الحق أمام زيف الباطل، ثم يأتي في موضع آخر من القرآن ليبين المقارنة بين فكرة الكفر، وفكرة الإيمان، فيقول سبحانه:

واتل عليهم نبأ إبراهيم * إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون * قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين * قال هل يسمعونكم إذ تدعون * أو ينفعونكم أو يضرون * قالوا بل وجدنآ آبآءنا كذلك يفعلون

[الشعراء: 69-74]. وفي هذه الآية أمثلة تحمل جواب الإسكات. ثم يقول الحق سبحانه، على لسان إبراهيم عليه السلام:

الذي خلقني فهو يهدين * والذي هو يطعمني ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين * والذي يميتني ثم يحيين * والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين

[الشعراء: 78-82]. يقول رب العزة سبحانه في سورة الأنبياء:

ولقد آتينآ إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين * إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون * قالوا وجدنآ آبآءنا لها عابدين * قال لقد كنتم أنتم وآبآؤكم في ضلال مبين * قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين * قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين

[الأنبياء: 51-56]. هذه هي التربية اليقينية التي أرادها الحق سبحانه لإبراهيم عليه السلام ليعلمنا كيف يكون الإيمان؟ وكان قوم إبراهيم يعبدون آلهة غير الله، لكن إبراهيم عليه السلام توصل إلى عبادة من خلقه وخلق الكون، وهو الصانع الذي يضع قانون صيانة ما يصنع سبحانه وتعالى: ولذلك نلاحظ قوله:

الذي خلقني فهو يهدين

[الشعراء: 78]. فلم يقل: " الذي خلقني يهديني " لأن هذه دعوى ستدعى، وسيضع الناس قوانين لأنفسهم، فبين الحق سبحانه أن الذي خلق هو الذي يهدي. وجاء الحق سبحانه بكلمة " هو " لحصر الأمر حتى لا يشارك الخلق خالقهم فيه، لكن الأمر الذي لم يدع، لم يأت فيه بكلمة " هو " كقوله:

والذي يميتني ثم يحيين

[الشعراء: 81]. فما لا شركة فيه عند الخلق يأتي به القرآن من غير تأكيد الضمير، ولكن في الأمر الآخر يأتي بتأكيد الضمير كقوله:

وإذا مرضت فهو يشفين

[الشعراء: 80]. فقد يقال: " إن الطبيب هو الذي يشفيني " ، ولكن ذلك غير حقيقي لأن الله سبحانه هو الذي يضع العلم، وهو الذي خلق الداء وخلق الدواء. ثم بعد ذلك يقول الحق سبحانه في قصة إبراهيم عليه السلام:

وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت..

[البقرة: 127]. إذن: فكل مناسبة تأتي لتأكيد معنى من معاني الإيمان تأتي معها لقطة من لقطات قصة إبراهيم عليه السلام، وإذا جمعت اللقطات كلها تجد قصة إبراهيم كاملة. وإذا كان الله سبحانه وتعالى يريد أن يقص على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم القصص، فذلك لتثبيت فؤاده صلى الله عليه وسلم:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٦٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٦٣٦