وعلمناه صنعة لبوس..
[الأنبياء: 80]. وهكذا يلقي الله تعالى الخاطر في قلب الرسول أو النبي أن " افعل كذا " فيفعل. وحين ننظر إلى حضارة مصر القديمة، نجد كل علومها وفنونها في التحنيط والألوان والنحت، كانت من اختصاص الكهنة الذين يمثلون السلطة الدينية، ولم يكتب هؤلاء الكهنة أسرار تلك العلوم، فلم يستطع أحد من المعاصرين أن يتعرف عليها. وهكذا نجد أن كل أمر في أصوله مصدره السماء. وفي قصة نوح عليه السلام نجد الحق سبحانه يقول: ﴿ واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون ﴾ [هود: 37]. ومعنى " بأعيننا " هو بحفظنا وبرعايتنا. وكلمة " بأعيننا " تفيد شمول الحفظ وكمال الرعاية. ألم يقل الحق سبحانه في مسألة تخص رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم؟
واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا..
[الطور: 48]. وكذلك قال سبحانه في قصة سيدنا موسى عليه السلام:
.. ولتصنع على عيني
[طه: 39]. وأنقذ الحق سبحانه موسى عليه السلام من الفرعون الذي كان يقتل أطفال بني إسرائيل، وألقى الله تعالى المحبة لموسى في قلب زوجة الفرعون، وقال سبحانه:
وألقيت عليك محبة مني..
[طه: 39]. لأن موسى عليه السلام حين كان طفلا رضيعا قد ألقي في اليم، والتقطه رجال الفرعون، لكن زوجة الفرعون قالت لزوجها طالبة لموسى الحياة:
قرة عين لي ولك..
[القصص: 9]. ونحن نجد أن عدو موسى وقومه، يلتقط موسى ليعيش في كنفه ورعايته، وكأن الله سبحانه يقول لهم: سأجعلكم تربون من يتولى قهركم. وقول الحق سبحانه: ﴿ واصنع الفلك بأعيننا.. ﴾ [هود: 37]. أي: إنك إن توقفت لأية عقبة، فسوف نلهمك بما تواجه به تلك العقبة. وحين صنع نوح عليه السلام الفلك احتاج لألواح خشبية، ولا بد أن تتماسك تلك الألواح، ولم تكن المسامير قد اخترعت بعد، فأوحى له الله تعالى أن يربط الألواح بالحبال المجدولة، وقد فعل هذا أحد مكتشفي أمريكا في العصر الحديث، حين صنع سفينة من نبات البردى وربطها بالحبال المجدولة القوية. وقال الحق سبحانه في طريقة صنع سفينة نوح عليه السلام:
وحملناه على ذات ألواح ودسر
[القمر: 13]. أي: أن نوحا عليه السلام قد أحضر ألواحا من الخشب وربطها بحبال مجدولة، وأحكم الربط بقدر مقتدر بما لا يسمح بتسرب الماء إلى داخل السفينة. مثلما تصنع البراميل الخشبية في عصرنا، حيث يصنعها الصانع من قطع خشبية مستطيلة، ويرتبها ثم يحكم ربطها بإطار قوي، وحين يوضع فيها أي سائل، فالخشب يتشرب من هذا السائل ويتمدد ليسد المسام، فلا ينضح السائل من البرميل لأن الخشب هو المادة الوحيدة التي تتمدد بالبرودة على العكس من كل المواد التي تتمدد بالحرارة. ولذلك نجد النجار الحاذق في صنعته هو من يصنع الأثاث أو الأبواب أو الشبابيك في الفصول الرتيبة لأنه إن صنعها في الصيف، سنجد الخشب وهو منكمش فإذا ما جاء الشتاء تمدد ذلك الخشب وسبب عدم إحكام إغلاق الأبواب والنوافذ، وكذلك إن صنعها في الشتاء والخشب متمدد سيأتي الصيف وتنكمش الأبواب، وتكون لها متاعبها، فلا يسهل ضبط إغلاق الأبواب أو ضبط أي صندوق أو شباك بإحكام. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿.. ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون ﴾ [هود: 37]. أي: لا تحدثني في أمر المغفرة لمن ظلموا أنفسهم بالكفر، وهم من ارتكبوا الظلم العظيم، وهو الكفر في القمة العقدية، وهي الإيمان بالله تعالى واحدا أحدا لا شريك له لذلك استحقوا العقاب، وهو الإغراق. وهكذا علم نوح عليه السلام أن صنع السفينة مرتبط بلون العقاب الذي سيقع على من كفروا برسالته، فهو ومن آمنوا معه سوف ينجون، أما من كفر فلسوف يغرق. ويبين الحق سبحانه وتعالى حين يقول: ﴿ ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه... ﴾.