ومن هنا يجيء الهدوء والاستقرار في المجتمع. إذن: فقد كان قول الكافرين من ملأ قوم نوح. ﴿ وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا.. ﴾ [هود: 27]. هو قول يؤكد وجود الفساد في هذا المجتمع، وأن الضعاف المطحونين من الفساد قد اتبعوا نوحا عليه السلام. ويقول الحق سبحانه: ﴿ بادي الرأي.. ﴾ [هود: 27]. والبادي هو الظاهر ضد المستتر. وهناك قراءة أخرى هي ﴿ باديء الرأي.. ﴾. أي: بعد بدء الرأي. والآية هنا تقول: ﴿ بادي الرأي.. ﴾ [هود: 27]. أي: ظاهر الأمر، فساعة ما يلقى إلى الإنسان أي شيء فهو ينظر له نظرة سطحية، ثم يفكر بإمعان في هذا الشيء. وساعة يسمع الإنسان دعوى أو قضية، فعليه ألا يحكم عليها بظاهر الأمر، بل لا بد أن يبحث القضية أو الدعوى بترو وهدوء. وهم قد قالوا لنوح عليه السلام: أنت بشر مثلنا، وقد اتبعك أراذلنا لأنهم نظروا إلى دعوتك نظرة ظاهرية، ولو تعقبوا دعوتك وتأملوها ونظروا في عواقبها بتدبر لما آمنوا بها. ويكشف الحق سبحانه هذا الغباء فيهم، فقول الملأ بأن الضعفاء كان يجب عليهم أن يتدبروا الأمر ويتمعنوا في دعوة نوح قبل الإيمان به، ينقضه إصرار الضعفاء على الإيمان لأنه يؤكد أن جوهر الحكم عندهم جوهر سليم لأن الواحد من هؤلاء الضعفاء لا يقيس الأمر بمقياس من يملك المال، ولا بمقياس من يملك الجاه، ولا بمقياس من له سيادة، بل قاس الضعيف من هؤلاء الأمر بالقلب، الذي تعقل وتبصر، وباللسان الذي أعلن الإيمان لأن الإنسان بأصغريه: قلبه ولسانه. إذن: فهذا الملأ الكافر من قوم نوح - عليه السلام - قد حكم بأن الضعاف أراذل بالمقاييس الهابطة، لا بالمقاييس الصحيحة. ولو امتنع هؤلاء الذين يقال عنهم " أراذل " عن خدمة من يقال لهم " سادة " لذاق السادة الأمرين، فهم الذين يقدمون الخدمة، ولو لم يصنع النجار أثاث البيت لما كانت هناك بيوت مؤثثة. ولو امتنع العمال عن الحفر والبناء لما كانت هناك قصور مشيدة. ولو امتنع الطاهي عن طهي الطعام لما كانت هناك موائد ممتدة، وكل خدمات هؤلاء الضعاف تصب عند الغني أو صاحب المال أو صاحب الجاه. وهكذا نرى أن الكون يحتاج إلى من يملك الثروة - ولو عن طريق الميراث - ليصرف على من يحتاجه المجتمع أيضا، وهم الضعاف الذين يعطون الخير من كدهم وإنتاجهم. إذن: فالضعفاء هم تتمة السيادة. وحين نمعن النظر لوجدنا أن سيادة الثري أو صاحب الجاه إنما تأتي نتيجة لمجهودات من يقال عنهم: إنهم أراذل. ولو أنهم تخلوا عن الثري أو صاحب الجاه، لما استطاع أن يكون سيدا.
ويذكر لنا الحق سبحانه بقية ما قاله الملأ الكافر من قوم نوح: ﴿.. وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين ﴾ [هود: 27]. وهم - بهذا القول - قد أنكروا أن سيادتكم إنما نشأت بجهد من قالوا عنهم إنهم أراذل، وأنكروا فضل هؤلاء الناس. ويلفتنا الحق سبحانه وتعالى إلى الآفة التي تنتاب بعض المجتمعات حين يذكر لنا ما قاله الكافرون:
وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم * أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا..
[الزخرف: 31-32]. إذن: فالحق سبحانه هو الذي قسم المعيشة، وآفة الحكم أن ننظر إلى المرفوع على أنه الغنى، لا، فليس المرفوع هو الغنى، بل هو كل ذي موهبة ليست في سواه. وما دام مرفوعا في مجال فهو سيخدم غيره فيه، وغيره سيخدمونه فيما رفعوا فيه لأن المسألة أساسها التكامل. لذلك لا يديم الله سبحانه غنى أحد أبد الدهر، بل جعل الدنيا دولا بين الناس. إذن: فلو عرف هذا الملأ الكافر من قوم نوح - عليه السلام - معنى كلمة الفضل لما قالوها لأن الفضل هو الزائد عن المطلوب للكائن، في المحسوسات أو المعاني والفضل يقتضي وجود فاضل ومفضول. ولينظر كل طاغية في حياته ليرى ما الفاضل فيها؟ إنه بعض من المال أو الجاه، وكل من يخدم هذا الطاغية هم أصحاب الفضل لأن سيادة الطاغية مبنية على عطائهم. فهم أصحاب الفضل، ما دام الفضل هو الأمر الزائد عن الضروري. إذن: فحقيقة ارتباط العالم بعضه ببعض، هو ارتباط الحاجة لا ارتباط السيطرة، ولذلك حين نرى مسيطرا يطغى، فنحن نقول له: تعقل الأمر لأنك ما سيطرت إلا بأناس من الأراذل، فإظهار قوته تكون بمن يجيدون تصويب السلاح، أو بمن تدربوا على إيذاء البشر، فهو يبني سيادته ببعض الأراذل، كوسائل لتحقيق سيطرته. وقول الكافرين من ملأ نوح - عليه السلام -: ﴿ وما نرى لكم علينا من فضل.. ﴾ [هود: 27]. يكشف أنهم قد فهموا الفضل على أنه الغنى، والجاه والمناصب، وهم قد أخطأوا الفهم. وينهي الحق سبحانه الآية بقوله: ﴿.. بل نظنكم كاذبين ﴾ [هود: 27]. والظن هو الراجح، والمرجوح هو الوهم وهذا يثبت أن في الإنسان فطرة تستيقظ في النفس كومضات، فالمتكبر يمضي في كبره إلى أن تأتي له ومضة من فطرته، فيعرف أن الحق حق، وأن الباطل باطل. وحين جاءت هذه الومضة في نفوس هذا الملأ الكافر، قالوا: ﴿.. بل نظنكم كاذبين ﴾ [هود: 27]. ولم يقولوا: " نعتقد أنكم كاذبون ". ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ قال يقوم أرأيتم... ﴾.