تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء منثورا

[الفرقان: 23]. والحق سبحانه يجزي الكافر الذي يعطي خيرا للناس بخير في الدنيا، ويجزي الصادق الذي لا يكذب من الكفار بصدق الآخرين معه في الدنيا، ويجزي من يمد يده بالمساعدة من الكفار بمساعدة له في الدنيا. وكلها أعمال مطلوبة في الدين، ولكن الكافر قد يفعلها، فيرد الله سبحانه وتعالى له ما فعل في الدنيا، وإن كان قد فعل ذلك ليقال: إن فلانا عمل كذا، أو فلانا كان شهما في كذا، فيقال له: " عملت ليقال وقد قيل ". وإذا كان الكافرون يأخذون بالأسباب فالحق سبحانه يعطيهم ثمرة ما أخذوا من الأسباب. ويجب أن نقول لمن يتهم المسلمين بالتخلف: لقد كان المسلمون في أوائل عهدهم متقدمين، وكانوا سادة حين طبقوا دينهم، ظاهرا وباطنا، شكلا ومضمونا. وعلى ذلك فالتخلف ليس لازما ولا ملازما للإسلام، وإنما جاء التخلف لأننا تركنا روح الإسلام وتطبيقه. وإن عقدنا مقارنة بين حال أوربا حينما كانت الكنيسة هي المسيطرة، كنا نجد كل صاحب نشاط عقلي مبدع ينال القتل عقوبة على الإبداع، وكانت تسمى تلك الأيام في أوربا " العصور المظلمة ". وحينما جاءت الحروب الصليبية وعرفت أوربا قوة الإسلام والمسلمين، ودحرهم المسلمون، بدأوا في محاولة الخروج على سلطان البابا والكنيسة، وعندما فعلوا ذلك تقدموا. هم - إذن - عندما تركوا سلطان البابا تقدموا، ونحن حين تركنا العمل بتعاليم الإسلام تخلفنا.

إذن: فأي الجرعتين خير؟ إن واقع الحياة قد أثبت تقدم المسلمين حين أخذوا بتعاليم الإسلام، وتخلفوا حين تركوها. وهكذا.. فمعيار التقدم هو الأخذ بالأسباب، فمن أخذ بالأسباب وهو مؤمن نال حسن خير الدنيا وحسن ثواب الآخرة، ومن لم يؤمن وأخذ بالأسباب نال خير الدنيا ولم ينل ثواب الآخرة. والحق سبحانه وتعالى هو القائل:

والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده..

[النور: 39]. وهكذا يفاجأ بالإله الذي كذب به. والحق سبحانه يقول:

مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء..

[إبراهيم: 18]. إذن: فمن أراد الدنيا وزينتها، فالحق الأعلى سبحانه يوفيه حسابه ولا يبخسه من حقه شيئا، فحاتم الطائي - على سبيل المثال - أخذ صفة الكرم، وعنترة أخذ صفة الشجاعة، وكل إنسان أحسن عملا أخذ أجره، ولكن عطاء الآخرة هو لمن عمل عمله لوجه الله تعالى، وآمن به. وحتى الذين دخلوا الإسلام نفاقا وحاربوا مع المسلمين، أخذوا نصيبهم من الغنائم، ولكن ليس لهم في الآخرة من نصيب. إذن: فالوفاء يعني وجود عقد، وما دام هناك عقد بين العامل والعمل، وأتقن العامل العمل فلا بد أن يأخذ أجره دون بخس لأن البخس هو إنقاص الحق. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿ أولئك الذين ليس لهم في الآخرة... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٥٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٥٨٤