وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون
[يوسف: 105]. والباحث العلمي التجريبي المعملي ينظر في ظواهر الكون ليستطلع أسرار الكون. وهناك فارق بين حب الاستطلاع لاكتشاف أسرار الكون، وحب الاستطلاع لأخبار الناس. إن حب الاستطلاع عموما هو مدار التقاءات الكون، ولكن الدين والخلق هو الذي يوجه حب الاستطلاع. إذن: فالقرائن لها مهمة يجب ألا تنفلت إلى غيرها، والدين قد جاء ليعلي من الغرائز ويوجهها إلى مهامها. لذلك نجد الحق سبحانه وتعالى يقول:
ولا تجسسوا..
[الحجرات: 12]. أي: لا تتبعوا العورات لأننا لو أبحنا لواحد أن يتتبع عورات الناس لأبحنا لكل الآخرين أن يتتبعوا عوراته. وحين منع الحق - سبحانه وتعالى - الإنسان من تتبع عورات غيره، فهو قد حماه من تتبع عوراته. وهنا يقول الحق سبحانه: { ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه.
. } [هود: 9]. وكلمة " النزع " تفيد أن الإنسان حريص على ما وهبه له الله تعالى من خير وصحة وعافية ويسر. وحين تؤخذ منه النعمة فهو يقاوم. والنزع يعني: استمساك المنزوع منه بالشيء المنزوع. ولذلك يقول الحق سبحانه في سورة آل عمران:
قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشآء وتنزع الملك ممن تشآء..
[آل عمران: 26]. كأن الموجود في الملك يتشبث به جدا. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿ ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور ﴾ [هود: 9]. وفي نفس السورة يأتي الاستثناء، فيقول الحق سبحانه:
إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير
[هود: 11]. وسنأتي لها بالخواطر من بعد ذلك. ويقول الحق - سبحانه وتعالى - في المقابل لمن نزعت منه الرحمة واليئوس الكفور: ﴿ ولئن أذقناه نعمآء بعد ضرآء مسته... ﴾.