تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء

[البقرة: 113]. والمشركون قالوا: لا هؤلاء على شيء، ولا هؤلاء على شيء:

كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم

[البقرة: 113]. أي أننا أمام ثلاثة أقوال: اليهود قالوا: ليست النصارى على شيء، والنصارى قالوا: ليست اليهود على شيء، وقال الذين لا يعلمون - وهم أهل مكة - مثل قولهم، ثم نجد الدين الواحد منهما ينقسم إلى طوائف متعددة، وكل طائفة لها شيء تتعصب له، وترى أن الذي تقول به هو الحق، والذي يقول به غيرها هو الباطل، وكيف ينشأ هذا مع أن المصدر واحد، والتنزيلات الإلهية على الرسل واحدة؟! إن آفة كل هذا تنشأ من شهوة السلطة الزمنية، وكل إنسان يريد أن يكون له مكانة ونفوذ وخلافة. وهذا يريد أن يتزعم فريقا، وذاك يريد أن يتزعم فريقا، ولو أنهم جمعوا على الطريق الواحد لما كانوا فرقاء. ونجده صلى الله عليه وسلم يقول:

" افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وتفرقت أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ".

وفي رواية:

" كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة "

، والجماعة: هم أهل السنة والجماعة، وفي رواية:

" ما أنا عليه وأصحابي ".

ونلاحظ دقة هذا القول في عدد المذاهب والفرق، وإن كنتم لا تسمعون عن بعضها لأنها ماتت بموت الذين كانوا يتعصبون لها، والذين كانوا يريدون أن يعيشوا في جلالها. إذن الآفة تأتي حين ننظر إلى حكم من الأحكام، يرى فيه واحد رأيا، ويأتي الآخر فيرى فيه رأيا آخر، لا لشيء إلا للاختلاف. ونقول لهم: انتبهوا إلى الفرق بين حكم محكم، وحكم تركه الله مناطا للاجتهاد فيه، فالحكم الذي أراده الله محكما جاء فيه بنص لا يحتمل الخلاف، وهذا النص يحسم كل خلاف. والحكم الذي يحبه الله من المكلفين تخفيفا عنهم على وجه من الوجوه يأتي بالنص فيه محتملا للاجتهاد، ومجيء النص من المشرع في حكم محتمل للاجتهاد، هو إذن بالاجتهاد فيه لأنه لو أراده حكما لا نختلف فيه لجاء به محكما. والمثال المستمر ما تركه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته الشريفة، فحينما أراد الحق سبحانه وتعالى ألا يضع السلاح قبل أن يؤدب بني قريظة، وهم من شايعوا مشركي مكة في الحرب. فقال صلى الله عليه وسلم:

" لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة ".

فذهب الصحابة في طريقهم إلى بني قريظة، وآذنت الشمس بالمغيب وهم في الطريق فانقسم صحابة رسول الله إلى قسمين: قسم قال: نصلي العصر قبل أن تغيب الشمس، وقال قسم آخر: قال رسول الله لا نصلين العصر إلا في بني قريظة. فصلى قوم العصر قبل مغيب الشمس، ولم يصل الآخرون حتى وصلوا إلى بني قريظة، ورفعوا أمرهم إلى المشرع وهو رسول الله، فأقر هذا، وأقر هذا، لأن النص محتمل. لماذا؟. لأن كل حدث من الأحداث يتطلب ظرفا له زمان ومكان فالذين قالوا إن الشمس كادت تغرب ولابد أن نصلي العصر قبل مغيبها نظروا إلى الزمان. والذين قالوا لا نصلي إلا في بني قريظة نظروا إلى المكان. وحينما رفع الأمر إلى المشرع الأعلم أقر هؤلاء وأقر هؤلاء. إذن فالحكم إن كان فيه نص محكم فلا احتمال للخلاف فيه. وإن كان الله قد تركه موضعا للاجتهاد فيه فهو يأتي لنا بالنص غير المحكم. ومن ذهب إليه لا يصح أن نخطئه، ولذلك بقي لنا من أدب الأئمة الذين بقيت مذاهبهم إلى الآن بعضهم مع بعض. نجد الواحد منهم يقول: الذي ذهبت إليه صواب يحتمل الخطأ، والذي ذهب إليه مقابلي خطأ يحتمل الصواب، وجميل أدبهم هو الذي أبقى مذاهبهم إلى الآن، وعدم أدب الآخرين جعل مذاهبهم تندثر وتختفي ولا تدرون بها، الحمد لله أنكم لا تدرون بها. ثم يقول الحق بعد ذلك: ﴿ ثم آتينا موسى الكتاب... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٧٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٧٣٤