تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذن كل موزون يأخذ درجة ميزانه بمقدار نفاسته وتأثيره لأن تحقيق العدالة في الميزان مسألة صعبة، وكذلك الأمر في الكيل. فحين يكيل الإنسان كيلا يمسك إناء الكيلة ويهزه حتى يأتي الميكال دقيقا محررا، وإن أراد أن يلغي ضميره ويأخذ أكثر من حقه فهو يملأ المكيال بأكثر مما يحتمل ويسند الزيادة بيده حتى لا تقع. وربنا يقول:

ويل للمطففين * الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون

[المطففين: 1-3]. فحين يكتال يستوفى ويطفف أي يزيد ما سوف يأخذه شراء، وحين يبيع يقلل الكيل أو الوزن ليأخذ ثمنا أكثر من ثمن ما يزن أو يكيل. وأصل المبادلات غالبا بين طرفين، وبعض المتنطعين يقول: كيف يقول الحق:

ويل للمطففين

[المطففين: 1] والتطفيف في أي مسألة يكون بالزيادة، لا بالنقص. ونقول: انتبه إلى أن المتحدث هو الله، والتطفيف إنما هو الرغبة في الاحتفاظ بالزيادة للنفس، أما النقص فيكون للآخرين، والتطفيف يزيد طرفا وينقص من طرف، وكل صفقة بين اثنين فيها بيع وشراء. فإن أراد واحد أن يجعل الخسران على طرف وأن يستوفي لنفسه فهو مطفف. ولذلك تأتي دقة الأداء القرآني من ربنا: ﴿ وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها ﴾ [الأنعام: 152]. وقال الحق ذلك لأنه يعلم أن الكيل والميزان بالعدل أمر متعذر لأن الحق سبحانه وتعالى لواسع رحمته في التشريع لنا لم يجعل مجال الاستطاعة أمرا يمكن أن تتحكم فيه أشياء لا تدخل في الاستطاعة ففي ضبط المكيال والميزان قال: ﴿ لا نكلف نفسا إلا وسعها ﴾ ، لأن المكيال والميزان أداتان تتحكم فيهما ظروف لا تدخل في نطاق الإنسان. ولذلك قلنا: إن وزن الأشياء التي نعلمها إن كانت من الأشياء التي ليست فيها نفاسة فوزنها له آلة. وإن كانت في المتوسط فوزنها له آلة، وإن كان في الأشياء النفيسة الدقيقة التي للقدر الصغير فيها قيمة مؤثرة، فإن لها آلة مضبوطة مصونة من عوامل الجو حتى لا تتأثر بهبة الهواء، فقول الحق: ﴿ لا نكلف نفسا إلا وسعها ﴾ إباحة للأشياء الزائدة أو الناقصة التي لا تدخل في الاستطاعة، ثم قال سبحانه: ﴿ وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ﴾ [الأنعام: 152]. نعلم أن القول نسبة كلامية ينطق بها المتكلم ليسمعها مخاطب، ينفعل للمطلوب فيها خبرا أو إنشاء، والقول مقابله الفعل، وكلاهما عمل، فالقول عمل والفعل عمل فإذا قلت: قل أو افعل، فافهم أن القول متعلق بجارحة اللسان، والفعل متعلق بكل الجوارح ما عدا اللسان، فإذا رأيت، وإذا سمعت، وإذا شممت، وإذا لمست كل ذلك يطلق عليه أنه فعل، ولكن إذا ما تحرك اللسان فذلك قول: ﴿ وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ﴾. وهل العدل مقصور على القول؟ أو العدل أيضا يكون في الفعل؟ إن العدل قد يكون في خلاف بين اثنين، وهذا لا يتأتى بفعلك، وإنما يتأتى الحكم والفصل فيه بقولك، وإذا ما تعودت العدل في قولك، ألفته وأنست به وأحببته حتى في أعمالك الخاصة الأخرى.

والقول منه الإقرار، وإن تقر على شيء في نفسك فقله بالعدل وبالحق، والشهادة. قلها بالحق، والحكم. قله بالحق. والوصية. قلها بالحق. والفتوى. قلها بالحق. إذن فالحق في القول أمر دائر في كثير من التصرفات لأنك إذا قلت بالحق أمكنك أن تعدل ميزان حركة الحياة فميزان حركة الحياة لا يختل إلا أن رجح باطل على حق لأنك إذا حكمت لواحد بشيء لا يستحقه فقد أعطيته ما ليس له، وإن بعملك هذا تجعل المتحرك في الحياة يزهد في الحركة. لكن إذا ما حافظت على حركة كل متحرك، وأخذ كل واحد حظه من الحياة بقدر ما يعمل اتزنت كل الأمور، ولم يعد هناك قوم يعيشون على جهد غيرهم وعرق سواهم، إذن فقول العدل هو مناط حركة الحياة الثابتة المستقيمة الرتيبة الرشيدة: ﴿ وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ﴾. والذي يؤثر في العدل هو الهوى، وحين يوجد الهوى فهو يحاول أن يميلك إلى ناحية ليس فيها الحق، وأولى النواحي أن يكون الأمر متعلقا بك أو بقرابة لك، وقد تريد إن حكمت - والعياذ بالله - باطلا، أن تسعد ذا قرباك، وأنت بذلك لم تؤد حق القرابة لأن حق القرابة كان يقتضي أن تمنع عنه كل شيء محرم وتحمي عرضه، وتحمي دينه قبل أن تحمي مصلحته في النفعية الزائلة. ولذلك يأمرك الحق بأن تقول الكلمة بالعدل ولو كان المحكوم له أو عليه ذا قربى لأنك حين تحكم بالباطل فأنت في الواقع حكمت عليه لا له. ﴿ وبعهد الله أوفوا ﴾ [الأنعام: 152]. ونحن نعلم أن عهد الله هو ما عاهدنا الله عليه، وأول عهد وقمة العهود هو الإيمان به سبحانه، وترتب على ذلك أن نتلقى منه التكليف، فكل تكليف من تكاليف الله لخلقه يعتبر عهدا داخلا في إطار الإيمان لأن الله لا يحكم حكما أو يبينه لمكلف إلا بعد أن يقول:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٧٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٧٣١