وكان أبوهما صالحا
[الكهف: 82]. فكأن صلاح الأب هو الذي أراد به الحق أن يظهر لنا كيف حمى كنز الأبناء، فيأتي العبد الصالح وموسى لأهل القرية اللئام، ويطلبان طعاما، فلا يطعمونهما، فيبني العبد الصالح الجدار الموقوت الذي يصون الكنز من اللئام. والحق يقول هنا: ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ﴾ [الأنعام: 152]. ومن لا يقدر على قرب مال اليتيم بالتي هي أحسن فليبتعد عنه. وحتى لا يتحرز ويتوقى الناس من رعايتهم مال اليتيم، قال سبحانه:
ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف
[النساء: 6]. وكلمة ﴿ فليأكل بالمعروف ﴾ أي لا يكنز ولا يدخر منه أبدا، بل يأكل بما يدفع الجوع فقط ويكتسي ما يستر جسمه. ونعرف أن اليتيم لم ينضج عقله بعد، وكذلك الكبير السفيه هو أيضا لا يقدر على التصرف لذلك قال الحق في أدائه البياني حيث يؤدي اللفظ ما يوحي بالمعاني الواسعة:
ولا تؤتوا السفهآء أموالكم
[النساء: 5]. وجعل الحق مال السفيه في مرتبة مال الولي لأن السفيه لا يحترم ملكيته وقد يبددها. ولكن المال يعود لهذا الإنسان حين يذهب عنه السفه فيقول الحق:
فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم
[النساء: 6]. إنه أداء قرآني عجيب، يشجع الناس ألا يتركوا السفيه يبدد ماله فتكون خسارة للمجتمع كله، فمادام هو في سفه فانظر إلى المال كأنه مالك، ولتكن أمينا عليه أمانتك على مالك.
وعندما ترى وتجد رشده وتطمئن على ذلك، فإن الحق يأمرك أن تعيد له ماله. ونعود إلى اليتيم، هنا يقول الحق: ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ﴾. هذا إن كان له مال، فماذا عن اليتيم الذي لا مال له؟. هنا تكون الوصية أقوى، عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما ".
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" الساعي على الأرملة والمساكين كالمجاهد في سبيل الله وكالذي يصوم النهار ويقوم الليل ".
وخذوا بالكم واجعلوا مسح رأس اليتيم لله، فمن الجائز أن تكون لليتيم أم جميلة، ويريد الولي أن يتقرب منها عن طريق الولد، احذروا ذلك، فإنه فضلا على أنه يسخط الله ويغضبه فهو خسة ولؤم ونذالة. ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده ﴾ [الأنعام: 152]. لم يقل الله - سبحانه - بالتي هي حسنة ولكنه قال: ﴿ بالتي هي أحسن ﴾ لتشديد الحرص على مال اليتيم حتى يبلغ أشده لأن بلوغ الأشد، يعني أن اليتيم صارت له ذاتية مستقلة، وما المعيار في الذاتية المستقلة؟ أن يصبح قادرا على إنجاب مثله، وهذا معيار النضج، مثله مثل الثمرة حين تنضج أي صارت البذرة التي فيها صالحة لأن نضعها في الأرض لتكون شجرة. وأنت إن قطفت الثمرة قبل أن تنضج لا تجد طعمها حلوا، ولا تستسيغ مذاقها إلا حين تستوي البذرة وتنضج. و " الأشد " أي أن الإنسان يصير قادرا على إنجاب مثله وهو ما نسميه البلوغ، ويصبح أيضا قادرا على حسن التصرف في المال وفي كل شيء. ويتابع سبحانه: ﴿ وأوفوا الكيل والميزان بالقسط ﴾ [الأنعام: 152]. والكيل هي المعايير لما يكال حجما، والموازين هي المعايير لما يقدر كثافة، فهناك معيار للحجم ومعيار للكثافة. معيار الحجم الكيل، ومعيار الكثافة هو الوزن، وهناك أيضا التقديرات العادلة في القياس، للأقمشة مثلا، المقياس فيها هو المتر، إذن كل شيء بحسبه، وإذا أردت الموزون فلابد أن يكن بالقسط، أي بالعدل. وهذه المسألة من الصعب تحقيقها، ولذلك تختلف الموازين باختلاف نفاسة الأشياء، فحين نزن الفول أو العدس أو البطاطس أو القلقاس، فنحن نزنه بميزان كبير لأن فرق الميزان يكون حول الكيلو جرام، فالأمر حينئذ يكون مقبولا. وحين نزن أشياء أثمن قليلا، نأتي بالميزان الدقيق. فإن كان الشيء الموزون ذهبا نحيط الميزان بجدران زجاجية لأن لفحة الهواء قد تقلل أو تزيد الوزن. إننا نحاول أن نمنع تأثير تيارات الهواء عليها. وحين نزن المواد الكيماوية نأتي بميزان يعمل بالذرة.