تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا تقربا هذه الشجرة

[الأعراف: 19]. لأن القرب قد يغري بالأكل، وكذلك ﴿ ولا تقربوا الفواحش ﴾ أي لا تأتي إلى مقدمات الفواحش بأن تلقي نظرة أو تحدق النظر إلى محرمات غيرك، وكذلك المرأة التي تتبرج إنها تقوم بالإقبال على مقدمات الفواحش، فإذا امتنعت عن المقدمات أمنت الفتنة والزلل لأن رسول صلى الله عليه وسلم يقول:

" الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله تعالى في أرضه محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ".

ويمنعك الحق: ألا تقرب، أي أبعد نفسك عن مظنة أن تستهويك الأشياء، مثلها مثل " اجتنب " تماما، وسبحانه وتعالى يقول:

فاجتنبوا الرجس من الأوثان

[الحج: 30] ويقول:

واجتنبوا قول الزور

[الحج: 30] وهنا يقول تعالى: ﴿ ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ﴾ [الأنعام: 151]. وكل ما ظهر من الفواحش هو من أفعال الجوارح التي ترتكب الموبقات و ﴿ وما بطن ﴾ هو من أفعال السرائر مثل الحقد، والغل، والحسد. ويتابع سبحانه: ﴿ ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ﴾ [الأنعام: 151]. وكلمة " النفس " يختلف الناس في معناها، ولا تطلق النفس إلا على التقاء الروح بالمادة، والروح في ذاتها خيرة، والمادة في ذاتها خيرة مسبحة عابدة.

وإن من شيء إلا يسبح بحمده

[الإسراء: 44]. وإذا التقت الروح بالمادة تقوم الحياة، فمعنى قتل النفس أن نفصل الروح عن المادة بهدم البنية وهذا غير الموت لأن الله هو الذي يميت النفس، أما الإنسان فهو يقتل النفس إن هدم بنيتها. والذي وهب الحياة هو الله، فلا يسلب الحياة إلا هو. وبعد ذلك يشرع الله لنا أن نسلب الحياة قصاصا، أو للزنى من الثيب المحصن رجلا أو امرأة، أو للردة، فهذا قتل بحق، لكن سبحانه وتعالى يلعن من يهدم بنيان الله بغير الحق، والإنسان بنيان الله فلا تعتدي عليه. ولذلك أمرنا الله بالقصاص من إنسان قتل إنسانا حتى يحافظ كل واحد على حياة نفسه، وحين يحفظ الإنسان كل نفس، فإنه ينجو بنفسه ويسلم. هكذا يأمر الحق بأن نقتل الثيب، والثيب الزاني يطلق على الذكر والأنثى وهو من تزوج ودخل على زوجه وذاق كل منهما عسيلة الآخر وأفضى إليه، وكذلك المرتد، فنحن نحرص على حرية الاعتقاد بدليل أننا لا نقتل الكافر الأصلي لكفره، ولكن يجب على الإنسان أن يفهم أن الدخول إلى الإيمان بالإسلام يقتضي أن يدرسه دراسة مستوفية مقنعة، وأن يعلم أن حياته رهن بأن يرجع عن هذا الدين، فإذا علم أن حياته رهن بأن يرجع عن هذا الدين، فلن يدخله إلا وهو مقتنع تمام الاقتناع. ونحن نحمي بالاختيار، فنعلن لكل من يقبل على الإسلام ونحذره: إياك أن تدخل بظاهر القول دون فهم لمعنى الإسلام لأنك لو دخلت ثم بعد ذلك ارتددت فسوف تقتل، وما دام الشيء ثمنه الحياة، فالواجب أن يحتاط الإنسان الاحتياط الشديد. وفي ذلك أيضا ثقة من أن الإنسان إذا ما بحث في الأدلة فسيقتنع بأن له إلها حقا، ولكننا لا نقتل الكافر الأصلي. إذن فقتل المرتد حماية لحزم الاختيار، فإياك أن تدخل بدون روية لأنك لو دخلت ثم ارتددت فسوف تقتل، وبذلك يصفى الحق المسألة تصفية لازمة بأن يعرض من يقبل على الإسلام جميع الحجج على نفسه، ولا يدخل إلا بنية على هذا، ففي أي عقد يحاول الإنسان أن يعرف التزماته وأن تتضح أمامه هذه الالتزامات. ولا يدخل إلى الدين الدخول الأهوج، أو الدخول الأرعن، أو الدخول المتعجل. بل يلزمه أن يدخل بتؤدة وروية. وفي الزواج يدخل الإنسان بكلمة ويخرج بكلمة أيضا هي: " أنت طالق " ، ولذلك تحتاط المرأة، فما دامت قد عرفت أن بقاء زواجها رهن بكلمة فعليها أن تحرص ألا تضع هذا الحق إلا في يد أمينة عليه. وساعة أن يقول لها أبوها: اسمعي، إن لك أن تختاري الزوج الذي إن أحبك أكرمك، وإن كرهك لا يظلمك لأنه بكلمة منه تنتهي الحياة الزوجية.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٧٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٧٢٧