ولا تك في ضيق مما يمكرون
[النحل: 127]. وهناك في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها توجد كلمة ضيق، والحق يقول:
فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضآئق به صدرك..
[هود: 12]. فما المراد من " ضائق " ، و " ضيق " ، و " ضيق "؟. نعرف أن الصدر هو مكان الجارحتين الأساسيتين في التكوين: القلب والرئة، والرئة هي الجارحة التي لا تستمر الحياة الا بعملها فقد تبطئ الأمعاء مثلا، أو تتوقف قليلا عن عملها، ويتغذى الإنسان على خزينه من الدهن أو اللحم ولذلك يصبر الإنسان على الجوع مدة طويلة، ويصبر على الماء مدة أقل، لكنه لا يصبر على افتقاد الهواء لدقائق، ولا صبر لأحد على ترك الشهيق والزفير. ولقد قلنا من قبل: إن الحق سبحانه وتعالى قد يملك بعضا قوت بعض. وأقل منه أن يملك بعضا ماء بعض، لكن أيملك أحدا هواء أحد؟ لا لأن الرضا والغضب أغيار في النفس البشرية. فإذا غضب إنسان على إنسان، وكان يملك الهواء وحبسه عنه فالإنسان يموت قبل أن يرضى عنه هذا الآخر، ولذلك لم يملك الله الهواء لأحد من خلقه أبدا. إذن كل المسألة المتعلقة بقوله: ﴿ يجعل صدره ضيقا حرجا ﴾ نعلم عنها أن الصدر هو محل التنفس، والرئة تأخذ الأوكسجين وتطرد ثاني أوكسيد الكربون، وعندما يصاب الإنسان بنوبة برد نراه وهو يجد صعوبة في التنفس، كأن حيز الصدر صار ضيقا، فلا يدخل الهواء الكافي لتشغيل الرئتين، ويحاول الإنسان أن يعوض بالحركة ما فاته فينهج. ويشخص الأطباء ذلك بأن المريض يريد أن يأخذ ما يحتاجه إليه من الهواء فينهج لأن الحيز قد ضاق، وكذلك عندما يصعد الإنسان سلما، ينهج أيضا لأن الصعود يحتاج إلى مجهود، لمعاندة جاذبية الأرض، فالأرض لها جاذبية تشد الإنسان، ومن يصعد إنما يحتاج إلى قوة ليتحرك إلى أعلى ويقاوم الجاذبية. إننا نجد نزول السلم مريحا لأن في النزول مساعدة للجاذبية، لكن الصعود يحتاج إلى جهد أكثر، فإذا ضاق الصدر فمعنى ذلك أن حيز الصدر لم يعد قادرا على أن يأخذ الهواء بالتنفس بطريقة تريح الجسم، ولذلك يقال: " فلان صدره ضيق " أي أن التنفس يجهده إجهادا بحيث يحتاج إلى هواء أكثر من الحجم الذي يسعه صدره.
﴿ ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ﴾ والحرج معناه الحجز عن الفعل، كأن نقول حرجت على فلان أن يفعل كذا، أي ضيقت عليه ومنعته من أن يؤدي هذا العمل. " كأنما يصعد في السماء ". وعلمنا أن الصعود لأعلى هو امتداد لفعل الجسم إلى جهة من جهاته. فالجهات التي تحيط بأي شيء ست: هي فوق وتحت، ويمين، شمال، وأمام، وخلف، وعرفنا أن الهبوط سهل لأن الجاذبية تساعد عليه، والمشي ماذا يعني؟ المشي إلى يمين أو إلى شمال أو إلى أمام أو إلى خلف، فهو فعل في الاستواء العادي الظاهر، والذي يتعب هو أن يصعد الإنسان، لأنه سيعاند الجاذبية، وهو بذلك يحتاج إلى قوتين: قوة للفعل في ذاته، والقوة الثانية لمعاندة الجاذبية. ﴿ ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السمآء ﴾ وذلك بسبب مشقات التكليف لأنه لم يدخلها بعشق، فلا يدخل إلى مشقات التكليف بعشق إلا المؤمن فهو الذي يستقبل هذه التكاليف بشرح صدر وانبساط نفس وتذكر بما يكون له من الجزاء على هذا العمل، والذي يسهل مشقة الأعمال حلاوة تصور الجزاء عليها فالذي يجتهد في دروسه إنما يستحضر في ذهنه لذة النجاح وآثار هذا النجاح في نفسه مستقبلا وفي أهله. أما الذي لا يستحضر نتائج ما يفعل فيكون العمل شاقا عليه. ﴿ ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السمآء.. ﴾ [الأنعام: 125]. والسماء هي كل ما علاك فأظلك، فالجو الذي يعلوك هو سماء، وكذلك السحابة، وأوضح لنا ربنا أنه أقام السموات السبع، وهنا أراد بعض العلماء الذين يحبون أن يظهروا آيات القرآن كمعجزات كونية إلى أن تقوم الساعة، أرادوا أن يأخذوا من هذا القول دليلا جديدا على صدق القرآن، وتساءلوا: من الذي كان يدرك أن الذي يصعد في الجو يتعب ويحتاج إلى مجهودين: الأول للعمل والثاني لمناهضة الجاذبية ولذلك يضيق صدره لأنه لا يجد الهواء الكافي لإمداده بطاقة تولد وقودا. ونقول لهؤلاء العلماء: لا يوجد ما يمنع استنباط ما يتفق في القضية الكونية مع القضية القرآنية بصدق، ولكن لنحبس شهوتنا في أن نربط القرآن بكل أحداث الكون حتى لا نتهافت فنجعل من تفسيرنا لآية من آيات القرآن دليلا على تصديق نظرية قائمة، وقد نجد من بعد ذلك من يثبت خطأ النظرية. إنه يجب على المخلصين الذي يريدون أن يربطوا بين القرآن لما فيه من معجزات قرآنية مع معجزات الكون أن يمتلكوا اليقظة فلا يربطوا آيات القرآن إلا بالحقائق العلمية، وهناك فرق بين النظرية وبين الحقيقة فالنظرية افتراضية وقد تخيب. لذلك نقول: أبعد القرآن عن هذه حتى لا تعرضه للذبذبة. ولا تربطوا القرآن إلا بالحقائق العلمية التي أثبتت التجارب صدقها. وقائل القرآن هو خالق الكون، لذلك لا تتناقض الحقيقة القرآنية مع الحقيقة الكونية لذلك لا تحدد أنت الحقيقة القرآنية وتحصرها في شيء وهي غير محصورة فيه. وتنبه جيدا إلى أن تكون الحقيقة القرآنية حقيقة قرآنية صافية، وكذلك الحقيقة الكونية. ﴿ كأنما يصعد في السمآء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ﴾ [الأنعام: 125]. والرجس هو العذاب، إنما يأتيهم بسبب كفرهم وعدم إقبالهم على التكليف. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ وهذا صراط... ﴾.