ألم نشرح لك صدرك
[الشرح: 1] فقد جازاه ربنا بذلك لأنه أدى ما عليه وصمد. كأن الله يريد بالإيمان من المؤمن أن يقبل على الحق، وحينما يقبل على الحق، يبحث العبد ليتعرف على المراد والمطلوب منه فيعلم أنها التكاليف، فإذا رأى الله منك الاستعداد المتميز لقبول التكاليف، فإنه يخففها عنك لا بالتقليل منها، ولكن بأن يجعلك تشتهيها، وقد تلزم نفسك بأشياء فوق ما كلفك الله لتكون من أهل المودة ومن أهل التجليات ومن الذين يدخلون مع الله في ود، وتلتفت لنفسك وأنت تقول: لقد كلفني الله بالقليل وسبحانه يستحق الكثير. فتزيد من طاعتك وتجد أمامك دائما الحديث القدسي:
" من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها. "
أي بالأمور التي تزيد على ما كلفه في الصلاة والزكاة والصيام والحج. إذن فمعنى ﴿ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ﴾ أي يجعل الأمور التي يظن بعض من الناس أنها متعبة فإنه بإقباله عليها وعشقه لها يجدها مريحة ويقبل عليها بشوق وخشوع. ولذلك فالحق سبحانه وتعالى يترك في خلقه مثلا للناس. فنجد المال عزيزا على النفس حريصة عليه لأنه إن كان المال قد جاء بطريق شرعه الله وأحله فهو يأتي بتعب وبكد لذلك يحرص عليه الإنسان، فيحنن الله العبد من أجله البذل والعطاء. إننا نجد المؤمن يعطي للسائل لأن السائل هو الجسر الذي يسير عليه المسلم إلى الثواب من الله، فيقول العبد المؤمن للسائل: مرحبا بمن جاء ليحمل زادي إلى الآخرة بغير أجرة، ولذلك عندما جاء مسلم إلى الإمام علي - رضي الله عنه وكرم الله وجهه -، قال المسلم: أنا أريد أن أعرف أأنا من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة؟ واختار الإمام علي مقياسا للإيمان في نفس كل مؤمن، وقال له: إن جاءك من يطلب منك، وجاء من يعطيك، فإن كنت تهش لمن يعطيك فأنت من أهل الدنيا، وإن كنت تهش لمن يأخذ منك فأنت من أهل الآخرة لأن الإنسان يحب من يعمر له ما يحب. إذن ف " يشرح صدره للإسلام " أي يخفف عنه متاعب التكليف بحيث لا توجد مشقة، ثم يرتقي بعد ذلك ارتقاء آخر بأن يعشقه في التكليف. ويهديه الله إلى طريق الجنة، لأن هناك هداية إلى المنهج وهداية إلى الجزاء على المنهج، ولذلك نجد القرآن يقول عمن ضلوا:
إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا * إلا طريق جهنم..
[النساء: 168-169] كأن هناك هداية إلى العمل وهداية إلى الجزاء، ونجد الحق يقول:
والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم * سيهديهم ويصلح بالهم * ويدخلهم الجنة عرفها لهم
[محمد: 4-6]. وقد يتساءل إنسان: كيف يهدي الله من قتل، وهل هناك تكليف بعد القتل؟. نقول: انظر إلى الهداية، إنها هداية الجزاء " سيهديهم ويصلح بالهم ويدخلهم الجنة عرفها لهم ". وهكذا نعرف أن هناك هداية الجزاء، من يحسن العمل يجزه الله الجنة، أما من يسيء فله عذاب في الدنيا والآخرة. ﴿ ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السمآء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ﴾ [الأنعام: 125].
وهل هذا تجن من الله على خلقه؟ لا، لأنه ما دام دعاهم للإيمان فآمن بعضهم وصاروا أهلا للتجليات، وكفر بعضهم فلم يؤمنوا، فصاروا أهلا للحرج وضيق الصدر. ومعنى الضيق أن الشيء يكون حجمه أقل مما يؤدي به مهمته، فحين يقال: ضاق البيت بي وبعيالي، فهذا يعني أن الرجل وزوجه في البداية عاشا في غرفتين، وكان البيت متسعا. ثم أنجبا عيالا كثيرة فضاق بهم البيت. وهكذا نعلم أنه لم يطرأ شيء على الجدران ومساحة البيت، لكن حين زاد عدد الأفراد شعر رب الأسرة بضيق المنزل. ويقال: صدره ضيق أوضيق فقد ورد في القرآن لفظ ضيق على لغتين: فالحق يقول: