وكذا ذلك لسيدتنا أم المؤمنين خديجة قبل أن يعرف الفقه بمعناه الإصطلاحي الحديث، مما يدل على أن الاستنباطات للأدلة هي استنباطات للعقل الفطري السليم البعيد عن الأهواء. إنه يقدر أن يستقرئ الأمر ولابد أن يهتدي، فحين أعلن لها أنه خائف أن يكون الذي أصابه مرض أو مس من الجن رفضت ذلك لأنه يصل الرحم، ويحمل الكل، ويعين على نوائب الدهر، وقال له: والله لا يخزيك الله أبدا. إذن فقد جاءت بالمقدمات التي ترشح أن ربنا لا يمكن أن يخذله، وكل المقدمات مفاخر، كلها خلق عظيم، وكلها التقاءات إنسانية قبل أن يأتي منهج السماء، التقاءات إنسانية بالفطرة دون تقدير أو تدبير، وكان هذا أول استنباط فقهي في الإسلام. ولذلك نعرف السر لماذا جعل الله لرسوله أم المؤمنين خديجة أول زوجة له؟ لأنه ستمر به فترة لا يحتاج فيها إلى زوجة فقط. بل إلى أم ناضجة، ذلك النضج الكامل الذي تستقبل به مسائل النبوة، ولذلك حين يخرج إلى الغار تأتي له حكمة خديجة في الاستنباط قبل أن يوجد فقه الإسلام؟ ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته ﴾؟، وهم قد أصروا على ألا يعلموا على الرغم من أنهم وجدوا منه خصالا وأشياء حكموا بوجودها فيه وأنها صفات رسول. ﴿ سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله.. ﴾ [الأنعام: 124]. هنا نجد فجوة انتقالية في الأداء، فمن قبل يتحدث سبحانه عمن يظنون أنهم كبار، فيأتي ليقول: إن الصغار سيصيبهم، وليس معنى الصغار الذل والهوان لدى الناس، لا، بل صغار وذل وهوان عند نفس كل منهم ذاتيا، فكل منهم سيشعر بالذل أمام نفسه ويستصغر نفسه. كأن الصغار سيصيب الإنسان في نفسه، ويكون هذا الصغار من عند الله، وما دام الصغار منسوبا إلى عندية الله فهو لا يزول أبدا لأنه لا توجد قوة ثانية تقول لله إن قدرك لن يتحقق. فالصغار والذل والهوان سينزل بهم وهم مع كونهم أكابر المجرمين فلن يستطيعوا دفعه عن أنفسهم، وسيصيبهم مع ذلك عذاب شديد. لماذا العذاب الشديد؟ لقد قلنا من قبل: إن العذاب يوصف مرة بأنه أليم، ويوصف مرة أخرى بأنه مهين، ويوصف هنا بأنه شديد. والعذاب المهين الذي تكون فيه ذلة النفس. والعذاب الأليم الذي يكون في البنية لأن الإنسان له بنية وله معنويات قيمية، فمن ناحية البنية يصيبه العذاب، ومن ناحية المعاني النفسية تصيبه الإهانة، فهناك من يتعذب لكنك لا تملك أن تهينه ويتحمل المشقة برجولة، ومهما تلقى من الإهانة فلا تزال نفسه كريمة عليه، مصدقا لقول الشاعر:
وتجلدي للشامتين أريهمو
أني لريب الدهر لا أتضعضع
لذلك ينزل قدر الله بالعذاب على نوعين: عذاب بنية وعذاب قيم، وهذا هو الصغار، والعذاب الشديد، وهو الذي لا يقوى الإنسان على تحمله، ولم ينزل الحق العذاب بهؤلاء جزافا، لكنه بسبب ما كانوا يمكرون، فسبحانه هو القائل:
وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون
[النحل: 118]. والحق سبحانه وتعالى حينما عرض هذه القضية عرضها ليبين لنا أنه لم يرغم بقدره خلقا من خلقه على مسائل الاختيار في التكليف بل أوجد ذلك في إطار:
فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر..
[الكهف: 29]. ولكن الإرغام من الحق جاء للأمور القهرية القدرية الكونية الخارجة عن نطاق التكليف، أما أمر التكليف فالله سبحانه وتعالى قال فيمن يرفضون الطاعة: ﴿ سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد ﴾ وسبحانه قد أوضح لنا: نحن لم نجعل ذلك قهرا منا لهم دون عمل عملوه باختيارهم بل إن العذاب والصغار كانا جزاء لمكرهم. ثم يأتي الحق سبحانه وتعالى لنا بقضية يقع فيها الجدل التبريري لبعض الناس الذين أسرفوا على أنفسهم، ويريدون أن يجعلوا إسرافهم على أنفسهم في الذنوب خاضعا لأن الله أراد منهم ذلك فيقول سبحانه: ﴿ فمن يرد الله أن يهديه... ﴾.