وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم
[الزخرف: 31]. ولنسمع رد القرآن:
أهم يقسمون رحمت ربك..
[الزخرف: 32]. ويوضح لهم الحق: نحن قسمنا بينهم الأمور الحياتية، لكنكم تريدون تقسيم رحمة الله، وفرق بين الرحمة في الرسالات وبين امتداد الحياة بالأقوات والمال لأن هذه عطاءات ربوبية. لكن الرحمة هي عطاءات ألوهية، إنكم تميزتهم في دنياكم بالمال والبنين والبساتين لا لخصوصية فيكم ولكن لأن نظام الكون كله إنما يحتاج إلى مواهب متكاملة لا إلى مواهب متكررة، ولو امتلك كل الناس مثل ما عندك يا وليد من أرض ومال لما وجدت من يفلح لك الأرض، ولما كان عندك من يسرج لك الفرس.
ولهذا جعل الحق مسألة الثروة دولا، أي يقلب سبحانه هذه الأمور لتكون متداولة بين الناس تكون لهذا في زمن ولآخر في وقت وزمن آخر ولا تدوم لأحد. وحين جاء الناس إلى أبي جهل يحدثونه في الرسالة قال: زاحمنا بني عبد مناف في الشرف أطعموا فأطعمنا، كسوا فكسونا، ذبحوا فذبحنا. حتى صرنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يوحى إليه والله لا نرضى به ولا نتبعه أبدا الا أن يأتينا بوحي كما يأتيه، ومعنى كفرسي رهان، أي فحين تنطلق الخيل في السباق في وقت واحد كانوا يدقون عودا في الأرض عند نهاية السباق ومن يجذبه من الأرض يقال له: حاز قصب السبق، وعود القصبة هو غاية المشوار، حتى لا يقولن أحد لقد سبقني بخطوة أو غير ذلك. وهنا يقول الحق: ﴿ وإذا جآءتهم آية ﴾. وانظر إلى كلمة ﴿ جآءتهم آية ﴾ ، فمرة يقول:
قد جئناك بآية من ربك
[طه: 47]، ومرة يقول: ﴿ جآءتهم آية ﴾ ، فكأن الآية بلغت من وضوحها ومن استقلالها ومن ذاتيتها وخصوصيتها أنها تجيء. ﴿ قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل مآ أوتي رسل الله.. ﴾ [الأنعام: 124]. ويقول الله لهم ردا عليهم: لا تقترحوا ذلك على الله لأن ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته ﴾ لأن الرسالة إنما تجيء لتنشر خيرا في الجميع، ولكنها تعف نفسها عن آثار الانتفاع من ذلك الخير. والخير يريد أن تأتي له الخير ثم يترك بعضا من الخير للناس. والرسول قد جاء لينشر خيره للآخرين، وهو نفسه لا ينال من هذا الخير إلا البلاغ به. ويأمر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت ألا يأخذ أهله الزكاة، أما ما تركه فقد صار صدقة للناس، أي أنه لم ينتفع به في الدنيا لذلك هو مأمون على الرسالة، ولم يرد أن يأخذ الدنيا ليرثها أهله من بعده. وقد أراده الله كذلك ليكون خيره لكل الناس. فالرسالة تكليف، والنبوة ليس جزاؤها هنا، بل من عظمة الجزاء أنه في الآخرة،
" ولذلك حينما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم في بيعة العقبة وقالوا: اشترط لنفسك. قال: تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وتعملون كذا وتعملون كذا. "
قالوا له: فما لنا؟ أنت اشترطت لنفسك، فما لنا إن نحن وفينا؟. ماذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم؟. قال: لكم الجنة. هذا هو الثمن الذي عنده، فمن يريد الجنة يأتي إلى الإيمان، ومن يريد ما هو دون الجنة فليس مكانه مع أهل الإيمان. مع أنه قال لهم فيما بعد ستركبون السفن وتفرشون الزرابي والوسائد وتجلسون عليها، وبشرهم بالكثير، لكنه لم يقل لهم ذلك من البداية لأن من هؤلاء من لا يدرك خيرا في الدنيا مع الإسلام بل يموت والإسلام ضعيف وأتباعه في قلة، لذلك أعطاهم الجزاء المضمون لهم جميعا حين قالوا له: ماذا إن نحن وفينا؟.
قال: لكم الجنة. وكأنه صلى الله عليه وسلم يعلمهم أن الدنيا أهون من أن تكون جزاء على العمل الصالح، فجزاء العمل الصالح خالد لا يفوتك ولا تفوته. ﴿ وإذا جآءتهم آية قالوا لن نؤمن.. ﴾ [الأنعام: 124]. وحين نتأمل قولهم: ﴿ لن نؤمن ﴾ نجد أن في هذا القول إصرارا على عدم الإيمان، أي لن نؤمن حتى في المستقبل إنهم تحكموا في المستقبل. ثم يفضحهم الله فيموت بعضهم على الكفر، ومن بقي منهم يأتون مؤمنين بعد الفتح. ومن العجيب أن العبارة التي ينطقون بها هي عبارة مهزوزة لا تستقيم مع منطق الكفر منهم، قالوا: لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله، كأنهم قد عرفوا أن هناك رسلا من الله، والأصل في الآية أن يؤمنوا برسل الله ورسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل، وهذا القول يدل على مجرد المعارضة المقترنة بالغباء، فما دمتم تعرفون أن لله رسلا يصطفيهم، فكيف تحاولون أنتم تحديد إرادة الله في الاختيار؟ إن رسل الله كانت لهم آيات كونية، حسية مرئية، وهي وإن كانت فيها قوة المشهد الملزم، إلا إنه لا ديمومة لها، فمن رأى سيدنا موسى وهو يضرب البحر فينفلق لن يكذب هذه الآية الكونية، إلا أنها أصبحت خبرا والخبر مناسب لمحدودية رسالة موسى، كذلك رسالة عيسى عليه السلام حيث أبرأ الأكمة والأبرص بإذن الله. وهذه رسالات لزمن محدود وفي قوم محدودين، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء ومعه المنهج المعجزة الباقي إلى قيام الساعة، فإن كانت المعجزة حسية فلن يراها إلا قوم مخصوصون لأن الأمر الحسي لا يتكرر، بل ينتهي، وسيدنا محمد رسول إلى أن تقوم الساعة. فلابد له من آية باقية إلى قيام الساعة لذلك كانت الآية في المعنويات والعقليات التي لا تختلف فيها الأمم ولا تختلف فيها الأزمان، لكنهم أرادوا معجزة حسية، وأخرى عقلية، حتى إذا جاءت واحدة فقط أنكروا الثانية، فحسم الحق الأمر وقال: ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته ﴾. ولو نظروا إلى كلمة ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته ﴾ ، فكلمة ﴿ أعلم ﴾ تدل على أنه قد يمكن الله بعضا من خلقه ليعلموا لماذا اختار الله محمدا صلى الله عليه وسلم لأن الذين واجههم صلى الله عليه وسلم بأمر الدعوة، هل انتظروا منه أن تكون له آية أو معجزة، أو آمنوا به بمجرد الإخبار؟. لقد آمنوا بمجرد الإخبار لأن تجربتهم معه أكدت أنه صادق وأمين على خبر الأرض، ولا بد أن يكون مأمونا على خبر السماء لأنه لم يكذب عليهم في أمر الأرض، فكيف يكذب في أمر السماء؟ إننا نجد أن سيدنا أبا بكر، بمجرد أن علم بأمر الرسالة قال: صدقت، وسيدتنا خديجة صدقته من فور أن قال، وأخذت صدق بلاغه من مقدمات حياته، وقالت أول استنباط فقهي في الإسلام.