وإن الدار الآخرة لهي الحيوان..
[العنكبوت: 64]. فهذه هي الحياة التي لا تضيع منك ولا تضيع منها، ولا يفوتك خيرها ولا تفوته. إذن فالذي يحيا الحياة الحسية الأولى وهي الحركة بالنفخ في الروح هو ميت متحرك. { أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به.
. } [الأنعام: 122]. أي أنه سبحانه قد أعطى لمثل هذا العبد حياة خالدة ونورا يمشي به، لا يحطم ولا يتحطم. أما من يقول: إن الحياة بمعناها الدنيوي، لا تختلف عن الحياة في ضوء الإيمان، لمثل هذا نقول: لا، ليس بينهما تساو فهما مختلفان بدليل ان الحق يقول:
استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم..
[الأنفال 24]. فسبحانه يخاطبهم، وما دام يخاطبهم فهم أحياء بالقانون العادي، لكن سبحانه أنزل لرسوله المنهج الذي يحيا به المؤمن حياة راقية، وافطنوا إلى أن الحق سبحانه وتعالى أعطى ومنح الروح الأولى التي ينفخها في المادة فتتحرك وتحس بالحياة الدنيا، إنه أعطاها المؤمن والكافر. ثم يأتي بروح ثانية تعطي حياة أبدية. ولذلك سمي منهج الله لخلقه روحا:
وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا..
[الشورى: 52]. فالمنهج يعطي حياة خالدة. إذن فقوله الحق: ﴿ أو من كان ميتا فأحييناه ﴾ أي أو من كان ضالا فهديناه، أو من كان كافرا فجعلناه مؤمنا. ولنلحظ أن فيه " ميتا " بالتخفيف، وفيه ميت بالتشديد. والميت هو من يكون مآله الموت وإن كان حيا، فكل منا ميت وإن كان حيا. ولكن الميت هو من مات بالفعل وسلبت وأزهقت روحه. ولذلك يخاطب الحق نبيه صلى الله عليه وسلم فيقول له: إنك ميت. أي تؤول إلى الموت وإن كنت حيا الآن. لأن كلا منا مستمر في الحياة إلى أن يتلبس بصفة الفناء، ويقول الحق: " فأحييناه " أي بالمنهج الذي يعطيه حياة ثانية، ولذلك سمي القرآن روحا، وسمي من نزل بالقرآن روحا أيضا. ﴿ وجعلنا له نورا يمشي به في الناس ﴾ ولماذا يمشي به في الناس فقط، وليس بين كل الأشياء؟ لأن الأشياء الأخرى من الممكن أن تحتاط أنت منها، ولكن كلمة الناس تعبر عن التفاعل الصعب لأنهم أصحاب أغيار. ويتابع الحق: ﴿ كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ﴾ وهذا تساؤل جوابه: لا، أي ليس كل منهما مساويا للآخر، مثلما نقول: هل يستوي الأعمى والبصير؟. والفطرة هنا تقول: لا، مثلما تؤكد الفطرة عدم استواء الظلمات والنور، أو الظل والحرور، وهنا يأمننا الله على الجواب لأنه سبحانه - يعلم الأمر إذا طرح كسؤال وكاستفهام فلن نجد إلا جوابا واحدا هو ما يريد الحق أن يقوله خبرا. ويذيل الحق الآية: ﴿ كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون ﴾ [الأنعام: 122]. والمعنى هنا أي تركناهم عرضة لأن ينفعلوا للتزيين، ولم يحمهم الحق بالعصمة في اختيارهم لأنه سبحانه قد ترك الاختيار حرا للإنسان:
فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر..
[الكهف: 29]. ويقول الحق من بعد ذلك: ﴿ وكذلك جعلنا في... ﴾.