إن هذه تذكرة فمن شآء اتخذ إلى ربه سبيلا
[الإنسان: 29]. فهذا لون ونوع من المتشابه من الآيات ليقول لنا الحق:
فإذا قرأناه فاتبع قرآنه
[القيامة: 18]. والحق يقول:
قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون * والذين هم عن اللغو معرضون * والذين هم للزكاة فاعلون * والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين * فمن ابتغى ورآء ذلك فأولئك هم العادون * والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون * والذين هم على صلواتهم يحافظون
[المؤمنون: 1-9]. وفي آية أخرى يقول:
والذين هم على صلاتهم يحافظون
[المعارج: 34]. وكل ذلك يدلك على أن كل كلمة وصلتك كما أنزلت، وبذلك تكون كلمة ربك قد تمت. أو قول الله: ﴿ وتمت كلمت ربك ﴾ ليدل على أن كلمة الله هي العليا، ولذلك تلاحظ أن " كلمة الله هي العليا " لم يجعلها الحق جعلا، وإنما جاءت ثبوتا، وسبحانه القائل:
وجعل كلمة الذين كفروا السفلى..
[التوبة: 40]. هذا السياق الإعرابي حصل فيه كسر مقصود، والسياق في غير القرآن أن يقول: وجعل كلمة الله هي العليا، ولكنه سبحانه يقول: ﴿ وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا ﴾. وسبحانه أراد بذلك أن نفهم أن كلمة الله هي العليا دائما وليست جعلا. وهذا دليل على أن كلمته قد تمت. ونلحظ أن قول الحق: ﴿ وتمت كلمت ربك ﴾ تأتي بعد ﴿ أفغير الله أبتغي حكما ﴾ ، واستقرىء موكب الرسالات من لدن آدم، وانظر إلى حكم الله بين المبطلين والمحقين، وبين المهتدين والضالين: إنه الحق القائل:
فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا..
[العنكبوت: 40]. والحاصب هو الريح التي تهب محملة بالحصى وكانت عقوبة لقوم عاد.
ومنهم من أخذته الصيحة..
[العنكبوت: 40]. وهم قوم ثمود، يسميها مرة الصيحة، وأخرى يسميها الطاغية:
فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية
[الحاقة: 5]. ومرة يخسف بهم الأرض مثلما فعل مع قارون:
فخسفنا به وبداره الأرض..
[القصص: 81] وكذلك:
ومنهم من أغرقنا..
[العنكبوت: 40]. وقد أغرق الله قوم فرعون وكذلك أغرق - من قبلهم - المكذبين لنوح. إذن كل قوم أخذوا حكم الله عليهم، لكنك يا محمد مختلف عنهم وكذلك أمة محمد التي أصبحت مأمونة على الوصية، وعلى المنهج، ولذلك قال الحق:
وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا
[الإسراء: 15]. وبعد أن بعث الحق رسوله صلى الله عليه وسلم قال:
وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم..
[الأنفال: 33]. إذن ﴿ تمت كلمت ربك ﴾ ، وهي الفصل النهائي:
ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون
[الصافات: 171-173]. وأنتم المنصورون لأنكم منسوبون إلى منهج غالب، والنصر للمنهج الغالب يقتضي الإخلاص، فإن تنصروا المنهج باتباعه ينصركم من أنزل المنهج، فهو القائل:
لأغلبن أنا ورسلي..
[المجادلة: 21]. وما قاله كان هو الواقع وما جاء به الواقع كان مطابقا للكلام. ﴿ وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا.. ﴾ [الأنعام: 115]. أي وافق الواقع الكوني ما قال الله به. وكيف كان الواقع صادقا وعادلا في آن واحد؟ لنفرض أنك أحضرت مدرسا خصوصيا لولدك، وصادف أنه هو الذي يدرس في المدرسة وهو الذي يدرس لابنك ثم قلت له: أريد أن ينجح الولد في الامتحان. ووعد المدرس بذلك ثم جاء الامتحان ونجح الولد، فتكون كلمة المدرس قد صدقت. لكن هل هذا عدل؟ قد يكون المدرس هو واضع الأسئلة ولمح للولد بالأسئلة، ويكون النجاح حينئذ غير عادل، لكن كلمة الله تجيء مطابقة لما قال، موقعها مطابق لما قال، وهي كذلك عدل لأنه سبحانه أوضح الثواب والعقاب: ﴿ وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا ﴾. لأنه لا مبدل لكلمات الله، ولا يوجد إله آخر يعارضه فله سبحانه طلاقة القدرة. أما بالنسبة للبشر فقد علم الله عباده احتياط الصدق في كلامهم فأوصاهم: