تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكأنه سبحانه يوضح أن طلب الآية إنما هو تمحيك. وأنتم لا تعلمون أن الله إن جاء لهم بالآية فلن يؤمنوا. وبعض من المفسرين قال: إن لا زائدة ومنهم من كان أكثر تأدبا فقال: لا صلة لأنهم خافوا أن يقولوا: لا زائدة وقد يأخذ البعض بمثل هذا القول فيحذفها، لذلك أحسنوا الأدب لأن الذي يتكلم هو الإله وليس في كلامه حرف زائد بحيث لو حذفته يصح الكلام، لا. إنك إذا حذفت شيئا فالكلام يفسد ولا يؤدي المراد منه لأن لله مرادات في كلامه، وهذه المرادات لابد أن يحققها أسلوبه. والمثال في حياتنا أن يقول لك واحد: " ما عندي مال " أو ما عندي من مال؟ إن " من مال " هنا ابتدائية أي من عندي من بداية ما يقال: إنه مال، أما من يقول: " ما عندي مال " أي ليس عنده ما يعتد به من المال الذي له خطر وقيمة، بل عنده قروش مما لا يقال له: مال. إن في جيبه القليل من القروش. و " لا " في هذه الآية جاءت لأن الحق يريد أن يقول للمؤمنين: ما يعلمكم يا مؤمنون أنني إذا جئت لهم بالآية يؤمنون، فكأنه سبحانه ينكر على المؤمنين تأييد مطلب الكافرين. وقد تلطف الحق مع المؤمنين وكرم حسن ظنهم في التأييد لأنهم لا يؤيدون الطلب حبا في الكفار، بل حبا في النبي والمنهج، وكأن الحق يقول لهم: أنا أعذركم لأنكم تأخذون بظاهر جهد اليمين ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم ﴾ ومبالغتهم فيه. ولا أنكر عليكم تصديقكم لظاهر قولهم لأن هذا هو مدى علمكم، وما أدراكم أنني إذا جئت بالآية أنهم أيضا لن يعلنوا الإيمان. ولو كنتم تعلمون ما أعلم لعرفتم أنهم لن يؤمنوا. إذن حين جاء الأسلوب ب ﴿ لا يؤمنون ﴾ ف " لا " حقيقية وليست زائدة. ومن أجل أن يطمئن الحق المؤمنين أظهر لهم أن علمه الواسع يعلم حقيقة أمرهم يقول: ﴿ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٦٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٦٧٤